تأملات في جدلية الانتماء والموت في رواية وطن الخنادق للكاتبة دلة الرواز داود سلمان عجاج
ليست علاقة الإنسان بالوطن علاقة جغرافية محضة، ولا مجرد ارتباط باسم يُكتب في الهوية أو بخريطة تحددها الحدود. فالوطن، في أعمق معانيه، هو المكان الذي تتشكل فيه الذاكرة، وتنمو فيه الأحلام، وتتأسس فيه علاقة الإنسان بذاته وبالآخرين. ولذلك يبدو الانتماء فعلاً وجودياً؛ لأن الإنسان لا يبحث عن أرض يسكنها فحسب، بل عن مكان يشعر فيه أن وجوده يحمل معنى، وأن حياته ليست عابرة فوق تراب لا يعرفه.
لكن ماذا يحدث حين يتحول الوطن من فضاء للحماية إلى فضاء للخوف؟ وحين يصبح الانتماء إليه امتحاناً يدفع الإنسان ثمنه من أمنه وحريته وكرامته، بل من حياته؟ هنا تتولد المفارقة الكبرى: الوطن الذي يفترض أن يكون ملاذاً يصبح خندقاً، والانتماء الذي يفترض أن يمنح الإنسان الأمان يتحول إلى طريق نحو الموت.
من هذه المنطقة الشائكة تدخل الكاتبة دلة الرواز إلى عالم روايتها “وطن الخنادق” فهي لا تقدم الحرب بوصفها مواجهة عسكرية بين جبهتين، بل تجعلها حالة تتغلغل في أعماق الإنسان، وتمتد إلى الذاكرة والحلم والحب والهوية، بل وإلى معنى الوطن نفسه. ومنذ البداية تضعنا الرواية أمام سؤال شديد القسوة: كيف يمكن للإنسان أن يحلم بوطن بلا رصاص، وسماء بلا دخان، وفرح بلا قتلى، ثم يجد نفسه مضطراً إلى دفع ضريبة الانتماء؟
إن الحرب، في عالم الرواية، لا تقتل الجسد وحده، بل تستنزف المعنى الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. ولذلك تبدو العبارة التي تفتتح بها الرواية، والمأخوذة عن “جون وليامز” عتبة دلالية مناسبة:
“الحرب لا تقتل الشباب وحدهم، وإنما تقتل شيئاً في الشعوب لا يمكن استعادته”
فالمأساة ليست في عدد الذين يسقطون، بل في ذلك الجزء الخفي من الروح الجمعية الذي يتآكل كلما امتدت الحرب.
وحين يتحول حب الوطن إلى تهمة، تأتي شخصية مزاحم بوصفها واحدة من أكثر شخصيات الرواية تعقيداً. فهو ليس خائناً في وعيه ولا كارهاً لوطنه، بل إن حلمه بوطن أكثر حرية وعدلاً هو الذي يدفعه إلى مساءلة الواقع. إنه يريد أن يكون المواطن قادراً على التعبير عن رأيه، ولذلك يصبح مختلفاً عن المحيط الذي يعيش فيه.
وهنا تطرح الرواية سؤالاً فلسفياً بالغ الأهمية: متى يتحول حب الوطن إلى جريمة؟ ومن يمتلك الحق في تحديد صورة المواطن الوطني؟
فمزاحم يرى الوطن من زاوية الحلم والإصلاح، بينما يرى أخوه بيرق الوطن من زاوية الخوف عليه. الأول يريد تغيير ما يؤلمه، والثاني يخشى أن يقوده هذا الطريق إلى السجن أو الإعدام. وبين التصورين تتسع الهوة التي ستبتلع مزاحم.
إن الصراع بين الأخوين ليس صراعاً عائلياً فحسب، بل مواجهة بين مفهومين للوطن: وطن يحلم الإنسان بإصلاحه، ووطن يخاف الإنسان أن يفقده. ولهذا تبدو مأساة مزاحم أكثر عمقاً من مجرد فقدان الحرية؛ إذ إن محاولته استعادة معنى الحرية تجعله يصطدم بالمنظومة التي تحيط به. إنه يموت وهو يحمل تصوراً مختلفاً للوطن، وكأن الرواية تريد أن تقول إن الإنسان قد يُعاقب أحياناً لا لأنه كره وطنه، بل لأنه أحبه بطريقة لا تعجب السلطة.
أما بيرق، فيمثل الوجه الآخر للمأساة. فهو الطيار الذي أفنى عمره في الدفاع عن الوطن، وفقد والديه بسبب الحرب، وتحمل مشاق الحياة من أجل رعاية أخيه، لكنه يجد نفسه في النهاية مطالباً بتسلم جثمان ذلك الأخ الذي أُعدم بوصفه خائناً للوطن. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الرجل الذي قضى حياته في الدفاع عن الوطن يصبح شقيق الخائن، والوطن الذي حارب من أجله يتحول إلى سلطة تعاقبه على صلة الدم.
وحين يصل بيرق إلى المقبرة ويبحث عن قبر يتسع لوطن كامل، تبلغ الرواية واحدة من أكثر لحظاتها كثافة ورمزية. فالموت هنا لم يعد موت مزاحم وحده، بل أصبح موتاً للمعنى الذي كان بيرق يؤمن به. وتستعيد الرواية في هذه اللحظة العلاقة بين القبر والخندق؛ فكلاهما حفرة في الأرض، لكن الخندق يُحفر في بدايته لحماية الحياة، بينما يُحفر القبر لاستقبال الموت. وحين يصبح الوطن خندقاً، يصبح السؤال مشروعاً: هل يستطيع الإنسان أن يحب وطناً جار عليه؟ وهل يبقى الانتماء فضيلة حين يتحول الوطن إلى مصدر للأذى؟
ثم تتسع الرواية لتقدم شخصية دانه، التي تتحول تدريجياً إلى مركز دلالي للرواية. تبدأ علاقتها بالوطن من البيت، ومن تفاصيل المكان الأولى: الجدران والنخيل ودجلة والأهل ورائحة الأرض. وحين تضطر إلى الرحيل، تكتب اسمها على جدران بيتها، كأنها تحاول أن تترك جزءاً من روحها هناك.
وحين تصل إلى الفاو تبني بيتاً من الرمل، وكلما جاء الموج وهدمه أعادت بناءه. وهذه الصورة تختصر جانباً مهماً من رؤية الرواية للوطن؛ فالوطن ليس شيئاً جاهزاً نرثه، بل هو شيء نعيد بناءه بعد كل انهيار. البيت الصغير يصبح رمزاً للوطن الكبير، والوطن يتحول من مفهوم سياسي إلى جغرافيا عاطفية تشمل البيت والأم والأب والطفولة والحب والذاكرة.
لكن الكاتبة لا تسمح لهذا المعنى الرومانسي أن يستمر طويلاً؛ فالوطن يعود ليظهر بوصفه مصدراً للخذلان. وحين تضطر الشخصيات إلى الرحيل، لا يكون الأمر مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل اقتلاعاً من الذاكرة. إنهم لا يتركون وراءهم الجدران والأثاث فقط، بل يتركون تاريخهم الشخصي، وتفاصيل العمر التي صنعت إحساسهم بالمكان.
ولهذا يصبح الموت في الرواية أوسع من معناه البيولوجي. إنه موت البيت، وموت الأمان، وموت الأحلام، وموت الصورة التي كان الإنسان يحملها عن وطنه. فالموت الحقيقي قد يبدأ قبل توقف القلب، حين تتوقف الروح عن حب الحياة ولا ترى أمامها سوى الظلم والجور.
ومن زاوية أخرى، تدخل شخصية ماجد الرواية إلى منطقة مختلفة من جدلية الحب والموت. فهو ليس بطلاً حربياً بالمعنى التقليدي، بل إنسان يحاول حماية الآخرين ولو على حساب نفسه. وحين تكتشف دانه أن ما ظنته خيانة لم يكن إلا فعلاً من أفعال التضحية لحماية إنسانة تعرضت للإهانة، تتغير دلالة الحب في الرواية. يصبح ماجد ضحية لسوء الفهم، ويدفع ثمن موقف أخلاقي جعل كرامة الإنسان أولوية.
وهنا تتداخل الخيانة والحب والوطن والموت في شبكة واحدة؛ فكما يمكن للوطن أن يخون أبناءه، يمكن للتضحية أن تُساء قراءتها، ويمكن للحب أن يتحول إلى جرح. وماجد لا يموت مرة واحدة، بل يموت في ذاكرة دانه مرات عديدة: حين تفقده، وحين تظنه خائناً، وحين تكتشف الحقيقة.
ومن هنا يصبح الخندق في الرواية حالة وجودية، لا مجرد مكان يحتمي فيه الجندي. إنه الأسرة التي تحاول حماية أبنائها، والبيت الذي يتحول إلى ملاذ، والذاكرة التي تحتمي بها الروح من النسيان، والحب الذي يحاول حماية الإنسان من الخراب. وهو الوطن نفسه حين يصبح الإنسان مضطراً إلى الاحتماء منه ومن الآخرين في الوقت ذاته.
ولهذا فإن عنوان المقال “حين يصبح الوطن خندقاً” يجد مشروعيته في عالم الرواية؛ فالخندق عادة يفصل الإنسان عن الخطر، لكن الرواية تجعل الوطن نفسه واقفاً على جانبي الخندق: يحميك أحياناً ويهددك أحياناً أخرى.
ومع ذلك، فإن “وطن الخنادق” ليست رواية عن الاستسلام. فعلى الرغم من كثافة الموت والخسارات، تبقى فيها قدرة الإنسان على النهوض. دانه تفقد أشخاصاً وأماكن وأحلاماً، وتواجه النزوح والخوف، لكنها تستمر في العودة إلى الحياة، وإلى التعليم والعمل والطفل والوطن. وهنا تبرز فكرة المقاومة بمعناها الواسع؛ فالدفاع عن الوطن لا يحتاج دائماً إلى بندقية.
عندما تقف دانه أمام صور الشهداء، تستعيد معنى آخر للوطن، وتكتشف أن الكلمة والقصيدة والأغنية والهتاف يمكن أن تكون أشكالاً من المقاومة. وهنا تنتقل الرواية من خندق البندقية إلى خندق الكلمة. فالكاتبة نفسها تمارس مقاومة من نوع آخر؛ إذ تكتب عن الذين ماتوا، وعن الذين نزحوا، وعن الذين فقدوا بيوتهم، وعن الذين ظلوا، رغم كل شيء، يحلمون بوطن مختلف.
وهذا التحول يمنع الرواية من السقوط في خطاب اليأس. فهي، على الرغم من قسوتها على الواقع، لا تنتهي إلى كراهية الوطن. فالمشكلة ليست في الوطن بوصفه أرضاً وذاكرة وهوية، بل في الذين يمثلونه ويشوهون معناه. وهنا تصل الرواية إلى فكرة جوهرية: يمكن للإنسان أن يحب وطنه من دون أن يقدس أخطاء الذين يحكمونه، بل إن حب الوطن الحقيقي قد يكون أحياناً رفضاً لما يُرتكب باسمه.
وفي النهاية، لا تتركنا الرواية أمام وطن واحد، بل أمام أوطان متعددة: وطن مزاحم الذي مات من أجل فكرة، ووطن بيرق الذي عاش ليحمل جثمان أخيه، ووطن دانه الذي بدأ بيتاً صغيراً ثم اتسع ليشمل الذاكرة والحب والأم والأب والطفل، ووطن ماجد الذي تحول إلى تضحية.
وحين تصل دانه إلى نهايتها المأساوية، تبلغ جدلية الانتماء والموت ذروتها. فالموت هنا لا يعني الانطفاء فقط، بل يترك سؤالاً مفتوحاً عن الوطن الذي يستحق أن يموت الإنسان من أجله، والأهم: أي وطن نريد أن نحيا من أجله؟
لقد بدأت الرواية بحلم وطن بلا رصاص، وانتهت بمأساة لا تلغي ذلك الحلم. فالخندق قد يحمي الجسد، لكنه لا يستطيع حماية الروح إلى الأبد، والوطن الذي يتحول إلى خندق يضع أبناءه أمام خيارات قاسية. غير أن دلة الرواز تفتح ثغرة ثالثة في هذا الجدار؛ هي إعادة بناء الوطن بالذاكرة والكلمة والحب والتعليم والكرامة.
وهكذا لا يكون الموت خاتمة الرواية، بل يصبح سؤالها الأكبر، ولا يكون الانتماء خلاصاً سهلاً، بل امتحاناً أخلاقياً: أن تحب وطنك من دون أن تخون إنسانيتك، وأن تدافع عنه من دون أن تتحول إلى نسخة من جلاديه، وأن تؤمن به حتى عندما يخذلك، ثم تواصل البحث عن وطن أفضل داخل الوطن نفسه.
ولعل صورة دانه وهي تبني بيتها من الرمل، ثم يأتي الموج فيهدمه قبل أن تعود إلى بنائه من جديد، تختصر الرواية كلها: قد يهدم الموج البيت، وقد تهدم الحرب المدينة، وقد يهدم الموت الإنسان، لكن ما دام هناك من يعيد البناء، فإن الوطن لم يمت بعد.
ذلك هو وطن “وطن الخنادق “وطن قد يتحول إلى خندق، وقد يصير الخندق قبراً، لكن الحلم به يظل أوسع من الخندق، وأبقى من القبر.









