قاسم علي خضر (مراد)
شكّلت الحركة الأنصارية للحزب الشيوعي العراقي واحدة من أبرز تجارب الكفاح المسلح العراقي ضد نظام البعث خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. ومع تصاعد القمع الذي تعرض له الحزب الشيوعي العراقي، ولا سيما بعد انهيار التحالف بينه وبين حزب البعث، اتجه عدد كبير من كوادره وأعضائه إلى المناطق الكردستانية، حيث نشأت هناك تشكيلات الأنصار التي خاضت مواجهة مسلحة طويلة مع قوات النظام العراقي.
ومن بين المناطق التي اكتسبت أهمية خاصة في هذه التجربة منطقة “خواكورك” في شمال شرق كردستان العراق، ارتباطاً بوجود المقرات القيادية للحزب الشيوعي العراقي (المكتب السياسي والمكتب العسكري والمركز الاعلامي) قبل أن تتحول في 19 تموز عام 1988 إلى إحدى ساحات المواجهة مع قوات النظام خلال حملة “الأنفال”.
وتكتسب معارك خواكورك أهمية خاصة لأنها لم تكن مواجهة منفردة بين الأنصار الشيوعيين والقوات الحكومية، بل جرت في إطار أوسع شاركت فيه تشكيلات من البيشمركة الكردية، ولا سيما قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الديمقراطي لشعب كردستان (كه ل)، في مواجهة القوات الحكومية الصدامية المدعومة من قوات المرتزقة الجحوش الكرد.
أولاً: نشوء الحركة الأنصارية الشيوعية
بعد المرحلة الاولى من الحركة الأنصارية المسلحة للحزب الشيوعي العراقي في ستينيات القرن العشرين، بدأت المرحلة الثانية في ظل حملة واسعة من الاعتقالات والإعدامات والملاحقات التي شنها نظام البعث ضد الشيوعيين والقوى الديمقراطية اواخر السبيعنيات.
مع توسع الحركة، تشكلت قواطع وفصائل للأنصار في مناطق مختلفة من كردستان العراق، وأصبح للحزب وجود عسكري في السليمانية وأربيل وكركوك وبهدينان (دهوك والموصل). وفي عام 1981 تبنى الحزب الشيوعي العراقي بصورة رسمية خط الكفاح المسلح كأسلوب رئيسي لاسقاط الدكتاتورية الصدامية وانهاء الحرب العراقية – الايرانية واقامة البديل الديمقراطي وحق تقرير المصير لكردستان. وبناءً على ذلك تم انشاء قيادة عسكرية مركزية للإشراف على نشاط الأنصار.
لم يقتصر نشاط الأنصار على العمليات العسكرية، بل شمل أيضاً العمل السياسي والإعلامي والثقافي والاجتماعي والرعاية الطبية. فقد أقام الحزب إذاعة وصحفاً ومطابع في المناطق الجبلية، وأصبحت هذه المؤسسات جزءاً من البنية التنظيمية للحركة المسلحة.
ثانياً: أهمية “خواكورك:
اكتسبت “خواكورك” التابعة لناحية “سيدكان” في منطقة “برادوست” بقضاء “سوران” في محافظة اربيل أهمية استراتيجية بسبب موقعها الجغرافي وطبيعتها الجبلية الوعرة، وتقع في أقصى شمال شرق العراق ضمن المثلث الحدودي المشترك الذي يربط بين العراق، وتركيا، وإيران. وقد ساعد ذلك قوات المعارضة على المناورة والانسحاب وإعادة الانتشار، كما جعل المنطقة هدفاً مهماً للقوات الحكومية الصدامية بقصفها بالمدفعية ومهاجمتها بالطائرات الحربية والمروحيات المقاتلة.
وبمرور الوقت أصبحت منطقة “خواكورك” أحد أهم مراكز الحزب الشيوعي العراقي. فقد انتقلت إليها مؤسسات إعلامية وسياسية للحزب، ومنها الإذاعة وصحيفته المركزية “طريق الشعب”. وبقيت الإذاعة في منطقة “خواكورك” حتى هجوم قوات النظام البعثي الصدامي خلال حملة “الأنفال” سيئة الصيت عام 1988، عندما اضطر الأنصار إلى دفن معداتها وارشيفها قبل الانسحاب باتجاه المثلث الحدودي.
وهكذا لم تكن “خواكورك” مجرد موقع عسكري، بل أصبحت مركزاً متكاملاً للحركة الأنصارية: فيها المقاتلون، ومؤسسات القيادة، والإعلام، والاتصالات، والطبابة وغيرها من المرافق الضرورية لاستمرار الحركة، فضلاً عن مقرات لبعض الاحزاب الكردستانية ومقر العلاقات للجبهة الكردستانية.
ثالثاً: طبيعة مشاركة الأنصار الشيوعيين في معارك “خواكورك”
كان دور الأنصار الشيوعيين في معارك “خواكورك” يقوم على عدة مستويات:
أول هذه المستويات هو “الدفاع العسكري عن المنطقة”.
فقد شاركت وحدات الأنصار في مواجهة القوات الحكومية ومرتزقتها الجحوش التي حاولت التقدم نحو المواقع الجبلية، مستفيدة من طبيعة المنطقة الوعرة التي كانت ملائمة لحرب العصابات. وكان الدور البارز في هذه المواجهة لقوات انصار فوج المؤتمر الرابع بقيادة المسؤول العسكري ملازم قصي (قاسم ناظم محمود) ومعاونه ابو دنيا (نظام محمد شاكر) والمستشار السياسي علي مالية (جواد كاظم الطائي) وانصار فصيل الاعلام المركزي بقيادة ابو نادية (رضا الظاهر) وابو نهران (داود امين منشد) وانصار فصيل المكتب السياسي بقيادة المسؤول العسكري ابو تارة (حسين صوفي) ومعاونه ابي قيس (عبد الرؤوف حســين علــوان) والمسؤول السياسي ابو يسار (حسان عاكف حمودي)، الذي قاد القوات الانصارية المشتركة بصفته عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي وعضو المكتب العسكري المركزي.
أما المستوى الثاني فتمثل في “التعاون العسكري مع البيشمركة الكردستانية”.
فالمواجهة في “خواكورك: لم تكن شأناً شيوعياً منفرداً، إذ كانت هناك قوات من الأحزاب الكردستانية موجودة في المنطقة، وجرى في مراحل مختلفة تنسيق وتعاون عسكري بين الأنصار الشيوعيين والبيشمركة. واصبح هذا التعاون واضحاً بصورة خاصة خلال الهجمات الحكومية في عام 1988، عندما وجدت القوات المعارضة نفسها أمام قوات حكومية كبيرة مدعومة بالمدفعية والطيران وافواج “الجحوش”.
أما المستوى الثالث فكان “الحفاظ على وجود المعارضة العراقية داخل الأراضي العراقية”.
فقد اعتبر الحزب الشيوعي أن استمرار وجود مقراته في كوردستان العراق، رغم الضغط العسكري، يمثل دليلاً على استمرار مقاومة النظام الدكاتوري البعثي من الداخل، وليس من خارج العراق فقط.
رابعاً: “خواكورك” وحملة الأنفال
بعد توقف الحرب العراقية – الإيرانية “قادسية صدام المشؤومة” في الثامن من آب عام1988، اتجهت قوات النظام إلى تصفية ما تبقى من القوى المسلحة المعارضة في كردستان العراق. وقد جاءت هذه المرحلة في سياق حملة “الأنفال”، التي شنها النظام المقبور ضد المناطق الكردستانية عام 1988، والتي تضمنت عمليات عسكرية واسعة واستخداماً للأسلحة الكيمياوية وعمليات تهجير واعتقال وقتل جماعي للمدنيين الكرد والمواطنين العراقيين القاطنين في قرى وقصبات ومدن اقليم كردستان. وكانت المرحلة الأخيرة من “الأنفال” موجهة بصورة أساسية إلى منطقة بهدينان، التي كانت تحت نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وفي هذه الظروف أصبحت “خواكورك” واحدة من المناطق التي شهدت مقاومة مسلحة قوية. وبينما انسحبت وحدات المعارضة من مناطق عديدة، بقيت “خواكورك” نقطة مقاومة رئيسية، وأن الأنصار الشيوعيين قاتلوا هناك إلى جانب قوات من الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الزعيم الكردي مسعود البارزاني لأكثر من خمسين يوماً في مواجهة قوات حكومية كبيرة مدعومة بالمرتزقة “الجحوش” الكرد. وهنا تظهر أهمية “خواكورك” في تاريخ الحركة الأنصارية، فقد تحولت المنطقة إلى إحدى آخر القواعد التي حافظت فيها الحركة على وجود عسكري منظم في مواجهة قوات النظام.
خامساً: معارك “قبر زاهر”
من أبرز الأحداث المرتبطة بالمرحلة الأخيرة من معارك “خواكورك” ما يعرف في الذاكرة الأنصارية بـ “معارك قبر زاهر” او “قبر ظاهر”. اذ أن القوات الحكومية، بعد تقدمها في مناطق أخرى، كثفت هجومها على مواقع المعارضة في وادي “خواكورك” والمناطق المحيطة به. وشاركت وحدات الأنصار الشيوعيين البواسل إلى جانب البيشمركة الكردية البطلة في صد الهجوم. وقد اتسمت المواجهات بقسوة شديدة، بسبب التفوق الكبير للقوات الحكومية في العدد والسلاح، وخصوصاً المدفعية والطيران. وفي المقابل اعتمدت قوات الأنصار والبيشمركة على طبيعة الجبال، وعلى الحركة السريعة والتمركز في المواقع المرتفعة. واستمرت هذه المعارك فترة طويلة تمكنت المقاومة خلالها من عرقلة وتأخير تقدم القوات الحكومية، قبل أن تضطر الوحدات المعارضة في النهاية إلى الانسحاب باتجاه المناطق الحدودية.
سادساً: الدور السياسي والإعلامي
لم يكن دور الشيوعيين في “خواكورك” عسكرياً فقط. فقد كان للحزب وجود سياسي وإعلامي واضح في المنطقة. فقد واصلت إذاعة الحزب بث برامجها بالعربية والكردية، كما استمرت صحيفة “طريق الشعب” السرية في الصدور من المناطق الخاضعة لسيطرة الأنصار. وكان الإعلام المركزي للحزب، بما في ذلك الإذاعة والصحيفة، موجوداً في منطقة “خواكورك” حتى هجمات “الأنفال” عام 1988. وكان لهذا الجانب أهمية كبيرة، لأن الحركة الشيوعية لم تقدم نفسها باعتبارها قوة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من المعارضة السياسية العراقية. ولذلك أصبحت “خواكورك” في فترة معينة مركزاً يجمع بين العمل العسكري والسياسي والإعلامي والاجتماعي.
سابعاً: العلاقة مع الحركة القومية الكردية
من المهم عند دراسة معارك “خواكورك” عدم فصل دور الأنصار الشيوعيين عن طبيعة علاقاتهم بالقوى الكردية المسلحة. فالحزب الشيوعي العراقي، رغم اختلافه الأيديولوجي والسياسي مع الأحزاب الكردية، وجد نفسه في مواجهة عدو مشترك هو نظام البعث الصدامي. ولذلك نشأت أشكال مختلفة من التعاون بين الأنصار الشيوعيين والبيشمركة. غير أن العلاقة بين القوى المعارضة لم تكن دائماً مستقرة. فقد شهدت سنوات الكفاح المسلح صراعات وخلافات حادة بين بعض القوى الكوردية والحزب الشيوعي، وكان أبرزها جريمة “بشت آشان” عام 1983، التي تعرض فيها الأنصار الشيوعيون لعدوان غادر من قبل قوات الاتحاد الوطني الكردستاني (اوك)، واستشهد فيها عشرات الرفاق من انصار الحزب الشيوعي. ولهذا فإن التعاون الذي ظهر لاحقاً في “خواكورك” ينبغي فهمه ضمن ظروف سياسية وعسكرية متغيرة، فرضت على القوى المعارضة التنسيق في مواجهة الهجمات الحكومية، رغم استمرار الخلافات السياسية بينها.
ثامناً: الانسحاب من “خواكورك”
لم يكن بقاء الأنصار في وادي “خواكورك” ممكناً بصورة دائمة أمام حجم القوات الحكومية والمرتزقة الجحوش المستخدمة في الهجوم. وبعد المعارك الشديدة، اضطرت الوحدات الأنصارية إلى الانسحاب باتجاه مناطق جبلية وعرة محيطة بالوادي. وقد تعرضت مقرات الحزب في وادي “خواكورك” لهجوم واسع، وأن الأنصار قاموا قبل الانسحاب بإخفاء أو دفن بعض المعدات، ومنها معدات الإذاعة وارشيف المواد الاعلامية، ثم اتجهوا نحو المناطق الحدودية. وبذلك كانت معارك “خواكورك” من آخر الفصول العسكرية الكبرى في تجربة الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق خلال ثمانينيات القرن الفائت.
يمثل دور الشيوعيين العراقيين في معارك “خواكورك” جانباً مهماً من تاريخ المعارضة العراقية والحركة الأنصارية في كردستان العراق. فقد اعتمدت الحركة الشيوعية العراقية، نتيجة القمع الذي تعرضت له، اسلوب الكفاح المسلح كشكل من اشكال النضال الاخرى، بالاضافة الى ممارسة النشاط السياسي السري، وأقامت خلال سنوات وجودها في كردستان العراق شبكة واسعة من المقاتلين والمقرات والمؤسسات السياسية والإعلامية والطبية وغيرها.
وكانت “خواكورك” في السنوات الأخيرة من هذه التجربة مركزاً أساسياً للحزب الشيوعي العراقي، وموقعاً اجتمعت فيه الوظائف العسكرية والسياسية والإعلامية. وعندما شن النظام البعثي الصدامي حملاته الأخيرة ضد المناطق الكردستانية عام 1988، وجد الأنصار أنفسهم في مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية متفوقة في العدد والتسليح، فقاتلوا إلى جانب قوى البيشمركة الكردية في محاولة لمنع تقدم القوات الحكومية الصدامية وعرقلة نهجها التدميري لقرى وقصبات والمدن الكردستانية ومنع ارتكاب الجرائم البشعة بحق المواطنين المدنيين الابرياء.
وتكمن أهمية معارك “خواكورك”، تاريخياً، في أنها تُظهر أن مقاومة النظام الدكاتوري المقبور في كوردستان العراق لم تكن محصورة في الأحزاب القومية الكردية وحدها، بل شاركت فيها أيضاً قوى عراقية يسارية وديمقراطية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي. كما تكشف هذه المعارك عن الطبيعة المعقدة للعلاقات بين قوى المعارضة العراقية والكردية: تعاون في مواجهة النظام من جهة، وخلافات وصراعات داخل صفوف المعارضة من جهة أخرى.
ومن ثم فإن دراسة “خواكورك” لا ينبغي أن تقتصر على الجانب العسكري، بل يجب أن تُدرس باعتبارها جزءاً من تاريخ أوسع: تاريخ الحركة الأنصارية الشيوعية، والمقاومة الكردية، والصراع مع نظام البعث، وصولاً إلى المأساة الكبرى التي شهدتها كردستان العراق خلال حملة “الأنفال” سيئة الصيت عام 1988.









