إلى روح طارق الشبلي للشاعر عبد السادة البصري سعاد العتابي
قال الناسُ:
هناك صوتٌ،
يهمسُ في نصف الليل
يبوح للعاشقين الولهى
بما يعتلج في الروح
يدور بكلّ شوارع بصرتنا
(حطّين، الكندي، المعقل
5 ميل، الجبيلة، الجمهورية
الاصمعي، السيمر، وبريهة …)
يحكي، قصّةَ عمرٍ
أكلتْهُ النايات،
(مگبّعة ورحت امشي يمّه
بالدرابين الفقيرة
مگبّعة ورحت أمشي يمّه
أمشي من ديرة اعله ديرة)
نغماتُ العود تسايره
مرَّ الصوتُ بعمّال الميناء
ظلّ يحاورهم
يسهرُ معهم، والشايُ
سميرٌ آخر، ويدندن:
(لعيونك انت ياحلو..ياضي العيون)
تدانى العمال..
تقاربت الاحلام،
سجّلوا، أولَ رقمٍ قياسيّ
في الحبِّ لهذي الارض
سفينتُهم بيرقها (الچاكوچ والمنجل)
وهندالُ، شراعهُمُ المنشورُ
في الريح…
(واجب بالروح اشريك يحبيّب واجب
واجب عيني تباريك يحبيّب واجب)
القمرُ البصريّ،
باتَ يناجيهم،
يجمعُ كلّ نُجيمات
الفرح، الحزن، الألم، الشوق …
ويهمسُ:
(مُرْ بينه.. مر بينه
تلگه الوفه بينه)
تلقّفت الأسماعُ اللحنَ
عجنته، بطيبة أهلينا
وظلّ القلبُ، الصوتُ، النجمُ، القمرُ
يدورُ … يدورُ … يدور
لتهدْهِدَه امرأةٌ حبلى
برحيقِ الرطب البرحي
همسات النورس لصواري
السفن الراسية بشطّ العرب
(لالي لالي لالي.. ياگمر لالي)
أقسمت الاسماعُ
قلوبُ الناس
فتياتُ الحي
الحرّاسُ
عمّال المَسْفن
وبائعاتـ القيمر
أنّهم سمعوه يردّد كل مساء:
(يفر بيّه… هوى المحبوب يايمّه
يفر بيّه… وانا الماتوب يايمّه
زماني ودمعة عيوني
هلي والناس لاموني
وأنا وکلبي
على الهجران مابيّه
وانا وروحي حمامة دوح منسيّه)
الّا انّ الصوتَ
وفي آخرُ رحلتِهِ
عادَ كعصفورٍ عند الشبّاك
يغنّي بحزنٍ
أثقلَ كاهلَهُ:
(ترضون بهيمة تخلّوني
ذبلان الشوك البعيوني
لاهي مروّة
ياهو السوّه
بحال الصفصاف تخلّوني)!!!!
هذه قصيدة رثاء/ وفاء لصوت بصري راحل، هو الفنان “طارق الشبلي”، وهي ليست مجرد رثاء شخص، بل رثاء لمدينة كاملة اسمها “البصرة”.
1. الفكرة والمغزى:
الشاعر يجعل من صوت طارق الشبلي كائنا حيا يدور في شوارع البصرة ليلا، يوزع الحب والمواساة.
الصوت = الروح الجمعية للبصرة.
القصيدة تقول: هذا الصوت لم يكن مطربا فقط، كان عامل لحام في الميناء، يجمع العمال حول الشاي، كان يغني للحب والأرض. لذلك سفينتهم رايتها “الچاكوچ والمنجل” رمز الطبقة الكادحة.
وتنتهي القصيدة بمأساة الصفصافة: الشجرة الرقيقة العاشقة التي تُركت وحيدة تذبل، وهي استعارة لحال الفنان بعد أن ذهب جمهوره وزمنه، وحال البصرة نفسها.
البيت الأخير المقتبس من أغنيته:
( ترضون بهيمة تخلوني/ ذبلان الشوگ البعيوني )
هو قمة الوجع.. العاشق يتحول إلى صفصافة منسية.
2. البناء الفني:
أ- المكانية البصرية: الشاعر يعدد أحياء البصرة بالاسم (حطين، المعقل، 5 ميل، الجبيلة، بريهة…) ليؤكد أن الصوت كان يمشي في كل زقاق فقير. هذا توثيق جغرافي وجداني.
ب- التناص الغنائي: القصيدة مبنية على تضمين كلمات أغاني طارق الشبلي نفسها:
(لعيونك انت يا حلو)
(واجب بالروح اشريك)
(مر بينه تلگه الوفه بينه)
(يفر بيه هوى المحبوب)
الشاعر لا يشرح الأغاني، بل يجعلها هي القصيدة. كأنه يقول: تاريخنا هو أغانينا.
ج- الرمز:
الصفصافة العاشقة: رمز الأنثى الرقيقة، رمز البصري المرهف، شجرة تنحني مع الهواء ولا تنكسر، لكنها تذبل إذا هُجرت. هي حال الشاعر.
الدوران: الفعل “يدور.. يدور.. يدور” يتكرر، ليخلق إحساس بدوران الأسطوانة، دوران القمر البصري، دوران الحنين الذي لا يتوقف.
حمامة دوح منسية: الروح صارت حمامة تبحث عن دوحة تحتمي بها فلم تجد.
3. اللغة:
اللغة سليمة ومقصودة. الشاعر يمزج الفصحى الشعرية (يهمس، يعتلج، سمير) مع الحسچة البصرية (مگبعة، الچاكوچ، يفر بيه) وهذا المزج هو سر جمالها. هي قصيدة بصرية لا يمكن أن تُكتب بالفصحى وحدها.
ليست قصيدة موزونة تقليديا، هي قصيدة تفعيلة/ نثرية موسيقاها مستعارة من موسيقى أغاني طارق نفسه، لذلك تبدو كأنها تُغنى وهي تُقرأ.
الخلاصة: هي مرثية حب لصوت كان يمثل ضمير مدينة. الصوت راح، بقت الصفصافة (المدينة/ المحب) وحدها تذبل وتسأل: ترضون بهيمة تخلوني؟










