في أحد جوامع المدينة كان الحاجان (عباس وثابت) يلتقيان بكل صلاة تقريبا ، اذ سكنا معا في مدينة شعبية بعيدا عن مركز العاصمة ، بعد ان وصلاها بداية ثلاثينيات القرن المنصرم ، كآلاف النازحين الجنوبيين ، هربا من جحيم الإقطاع الظالم ، وقد لمت كل الطوائف والقوميات والمذاهب ، كانها بحيرة تصب بها منابع الفقراء من شمال وجنوب العراق ، هكذا بدت مدينة الحرية ، حينما تحدث الحاج ثابت مع صديقه الحاج عباس قائلا : ( ان ابني طارش قد كبر وسمعت ان احدى بناتك مؤهلة ، فهلا يرزقنا الله النسب الصالح) .. لم يتردد الحاج عباس بالموافقة فهو صديقه وقريبه ، يعيشان معا ويعملان سوية بكل انواع العمل الشريف ذي الرزق الحلال..
كانت ام عدنان جارتنا تمشط شعر ( سعدية) وتزينها ببعض ما تتيحه زينة أيام زمان (من حناء وديرم .. ) ، كي تزف الى عريسها ، الذي لم يرها ولم تره من قبل ، اذ كانت الخطبة تتم من قبل الوالدين ولم يكن للولد او البنت ، الا الطاعة والاحترام مع ثقة كاملة بانهما سيختاران لهما الافضل والاسلم .
( چنها ورد والعباس. چنها ورد والعباس ، نتشكر من گال اخذوهة نتشكر من عمها وبوها ) هكذا هوست ام عدنان ، محتفية بصديقتها سعدية ساعة زفافها ، ومعها رددت عشرات الاصوات المهنئة الفرحة ، ((صلي على محمد وال محمد ) .. عند ذلك بكى الحاج عباس والحاجة ام سعدية لفراق ابنتهم التي احبوها كثيرا اذ انها شابهت أبويها شكلا وخلقا وسلوكا ، وقد ترك الفراق حزنا واضحا على محيا ووجنات كل من الوالدين الفرحين جدا بزواج ابنتهما البكر .
لم تنقطع صلات سعدية (التي أصبحت تكنى ام كاظم ) بصديقتها ام عدنان ، وعاشا قريبين يشتركان بكل الماسي ، التي مرت منها سنوات طويلة حروب وظلم وحصار واحتلال بكل مخلفاته ، كما كن يفرحن معا بمناسبات عديدة كتزويج أولادهما..ويبكيان معا لتعرضهما لعدد من النكبات كفقد الزوج وفراق الاحبة ، بسبب ظروف العراق العامة ، حتى حل عام 2003 لتغادر ام عدنان الى امريكا وتسكن مع اودلاها الذين هجروا الوطن وتغربوا هربا مما لحق بالعراق اثر الاحتلال من اغتيالات وانفجار وتهجير وغير ذلك الكثير ..
كانت ام عدنان دائمة الاتصال بابنها عدنان الذي فضل البقاء في العراق على الغربة ، كما كان الواسطة التي تنقل تحايا واخبار اهل المحلة بافراحها واتراحها الى امه ، وقد مرضت ام كاظم على حين غرة ، وبعد يومين فقط أغمضت عينيها الى الابد ، بعد رحلة تعب طويل يحمل بطياته هم العراقيين ويختزل بدموعها كل آلامهم ، أذ لم يمهلها حتى من السلام والتوديع ولم يصبح الصباح ، الا وهي جنازة ممدة وسط دارها ، يلطم عليها ولدها و معارفها ، اذ لم تترك اثرا سيئا عند احد .. فكانت لحظات موجعة ، اختزلها احد احفادها الذي نشج بهدوء بعيدا عن جثة جدته ودموعه تنساب: ( جدة ألمن اشكي ، من يسمع طلباتي من يخفف آلامي بعدك .. يا جدة ) .
كنا نجلس في ( الخيمة ) المنصوبة لاقامة مجلس العزاء ، حينما رن جرس الموبايل ، واذا بها ام عدنان من مدينة تكساس الامريكية ، وهي وتبكي ، وقد طلب بعض اولاد المرحومة واخوانها رفع صوت الموبايل لسماع ، نوحها الجنوبي المقطع لنياط القلب وهو يصدح من غربة موجعة : ( يخية غريبة .. بغربتي اكسر الخاطر .. ما ظنوتي بسرعة گليبچ يهاجر .. گلت بلكن نلتقي باجر .. غريبة هنا .. ادور عل يونون .. يم كاظم خلص گلبي ونضبت العيون .. يخيه هم يعود الزمن لو هاي هية .. الله وياچ يلما بيچ جيه ) .. عندها ضج الرجال بالبكاء على وقع نوح كانه يخرج من بين القصب والبردي في غروب نهار قارس الشتاء في صرعات اهل الجنوب من اجل بقاء حر مشرف ..









