حيدر ناشي آل دبس
لصناعة الطاغية اساليب وطرق متعددة ‘ فالترميز والتمجيد المتكرر والذي يصل الى حد التأليه له قابلية على وصول الانسان الممجد الى مرحلة يجد ان كل تصرف او سلوك يقوم به هو عين الصواب لان عدد المطبلين والمؤيدين حسب تصوراته دائماً في تزايد او في اقل تقدير هو ذاته الذي سانده في بداية مشوار شهرته السياسية وكذلك يبقى كل معارض لهذا الذي ركب سلم الطغيان حديثاً عميلاً او امتداداً لفترات سبقت حجمت دور الانسان بشكل عام ليبدأ هذا الطاغية بالتمدد في تسلكاته وصلاحياته ليصل لمرحلة يصعب فيها التراجع ‘ لانه يعتبرها تواطؤا من قبله لاعداء الوطن والشعب الذي ايدّه في بداية حكمه فيبقى زهوه في صحة توجهه مستمراً وحقيقة الامر يقل عدد مؤيديه وتتزايد معارضته لكن في ذات الوقت تتكاثر زمرة المتملقين والطفيليين الذين يوهمونه بتأيد كل قراراته وتوجهاته من قبل الشعب فتخلق هذه الفئة المنزوعة الاخلاق والضمير حاجزا بينه وبين من يحكمهم وتبدأ بتأليف القصص والروايات عن سداد ومقبولية ارائه وقرارته بين صفوف ابناء بلده عند ذلك تبدأ منظمات الطاغية السرية منها والعلنية والتي يعلم ببعض منها ولا يعلم بالبعض الاخر بأخذ دورها في اسكات كل صوت معارض او حتى لو كانت لديه اعتراضات بسيطة فتُكهرب الاجواء العامة في هذا البلد او ذاك ويتحول الى سجنٌ كبير يجمع ابناءه فيه ومن آليات مراقبة الطاغية واجهزته هي متابعة المثقفين وماينتج عنهم من كتابات فيحاول بكل الوسائل والاساليب ان تتساوق مع نهجه او لاتؤثر في طبيعة حكمه ‘ ويحاول كذلك شراء اكبر عدد منهم ويركّز على المتميزين والمبدعين منهم ليعطوا له دفعة جديدة في صواب ما يقوم به.
واذا لم يستطع ذلك يعمل على تحييدهم وابعادهم عن التأثير في خلق جو ورؤية معارضة له ولحكمه فترى ان عددا كبيرا من هذه الشريحة المهمة في عملية التغيير قد انزوت وابتعدت عن مجريات الحياة اليومية والتفاعل معها لتترك مكانها الحقيقي والتاريخي في الدفاع عن مصالح اكثرية الشعب المغلوب على امره عرضة لكل ما ينتج عن الطاغية ومؤسسته فتكون نتاجات هؤلاء المثقفين عبارة عن اعمال ذاتية تعبّر عن تجاربهم الشخصية وايضاً يبرز دور الخيال في صياغة افكارهم ولا تناقش اعمالهم ما مطروح من قضايا مهمة تخص حاضر البلد ومستقبله بسبب خوفهم من ردود افعال الطاغية وزبانيته هذه احدى الطرق التي استطاع من خلالها الطاغية ان يوطد حكمه ونهجه ومنهجه وذلك بأسكات وتحجيم من يملكون امكانية التأثير المباشر في عملية التغيير السياسي والاجتماعي. بعد التغيير الذي حصل في العراق انفرجت الحياة واصبح هنالك متسع من الحرية لطرح الافكار والاراء وبدون خوف من رقيب او حسيب لكن بقيت الطبيعة ذاتها في اختيار المواضيع وطريقة تناولها من قبل هذه الصفوة التي يفترض ان تكون منتقاة لذا يلحظ المتابع ان تراكمات الفترات السابقة القت بظلالها على ما يطرحون لذلك وفي هذه المرحلة المهمة من تاريخنا المعاصر والتي تشهد الكثير من المتغيرات في طبيعة الانسان وعلاقته مع محيطه وكذلك تبلور رؤى وافكار جديدة انتجها الفكر البشري والتي دخلت الينا حديثاً فترانا غرباء بالمرة عن اسلوب المحاكاة مع هذا الجديد ونكاد نكون غرباء اكثر عن الركب الحضاري الانساني في طريقة تفاعلنا مع هذه المتغيرات فما علينا الان الا ايجاد الطرق والوسائل التي تعيد للعقل البشري مكانته في عملية التفكير المبني على الدلالة العيانية الملموسة والمحسوسة والابتعاد ونقد طريقة التفكير المعتمدة على الشعوذة والخرافات لذا هي مرحلة وجهد يجب ان يوجه في المسار الصحيح نحو غدٍ افضل يعيش فيه الانسان بكرامة ورفاه في ظل نظام ديمقراطي مدني يحقق العدالة الاجتماعية.









