الفريد سمعان
ليست مفاجأة في ضوء الوقائع المؤلمة التي نعيشها والتي وضعت العراق في آخر القائمة في مجالات عديدة تدعو للخجل والألم والاستغراب.
كل من يراجع دائرة من دوائر الدولة يشهد مناظر ويطلع على اسرار هذه الهزيمة (الادارية) التي تتسع وتصيب المواطن بخيبة الأمل لما يجري، وهو لا يشك بأن الامور تسير من سيئ الى اسوأ في ظل ما يراه وما يعانيه من الاجراءات المقيتة والتصرفات اللا مسؤولة والاهمال المستشري وسوء معاملات الموظفين، الذين لا يلقون أية اهمية للمراجعين وكأنهم (غنم) في حقول الاجهزة الحكومية. التي لا تعرف شيئاً عن الرعاية (وتبرير) الرواتب الضخمة التي يأخذونها ويستمتعون بالمهابة واصدار التعليمات (الجوفاء) الفارغة، لن اتحدث عن مراجعة دوائر المرور لتسجيل سيارات (المنافيست)، الغضب الذي يصب امطاره على الرؤوس ويقتلع آخر صخور الصبر من الاعماق لأنها مهزلة ما بعدها مهزلة، وسوف نأتي عليها في حديث آخر.
ولكننا نود ان نطرح ما يعانيه المواطن وهو يراجع مديرية الجنسية في الكرخ التي تحتل مكانا مرموقاً في ساحة النسور.. ابتداءً من المدخل الى الدائرة التي ليس لها مدخل معيّن بل (فسحة) من الطين تنحدر من الرصيف بين الاوساخ والقاذورات والاثاث القديم المهمل المكدس والمبعثر، ولا ندري لماذا تحتفظ به هذه الدائرة الهامة، وما هذا الاعتزاز بالخرائب والخزعبلات. ثم تدخل تحت سقيفة مغمورة بالطين والاوساخ واعقاب السكائر والاوراق المهملة، وشتى انواع الحشرات والقاذورات.. لتجد صفا من الموظفين الذين ينظمون القوائم، يقابلهم اجهزة الاستنساخ… ثم تنحدر الى فضاء آخر، وتقودك خطاك الى مدخل يعج بالاقدام والاجناس والنماذج نساء ورجال وصبيان… ثياب سوداء… وملونة ونماذج من كبار السن وصغار الملامح (وكرفانات) يصح ان تسمى الدائرة لكثرتها بأنها دائرة (الكرفانات) وتجد علامات.. تحمل عناوين المدير.. وهي مقفلة والادارة.. والتحقيق. وقطع اخرى على نوافذ صغيرة ارقام 1، 2، 3،… وعلى كل شباك جوقة من المواطنين الحائرين يحملون بين ايديهم اوارقهم وهوياتهم ويصرخون… ويتزاحمون وهناك مقاعد (حجرية) متناثرة في اجواء باردة والهواء يتلاعب بالملابس والشعور والمشاعر والحيرة تشكل غيوما داكنة على الوجوه وهي تجهل متى تنتهي المعاملة.. ولكنها تشعر بذلك بعد اربع او خمس ساعات من الانتظار.. والسبب ان كل نافذة لا يتجاوز عدد العاملين خلفها الموظف الواحد.. وهو يواجه ضغطاً هائلاً..
لقد استفزني الانتظار السخيف.. وضياع الوقت، وقصدت باباً لأحد الكرفانات مكتوب عليه (الادارة) والتقيت احد المسؤولين برتبة (مقدم) واوضحت له الوضع الذي يعاني منه المراجعون، فأجابني ان السبب هو (نقص الكادر) وقلة الموظفين. فسألته بأن هنالك اكثر من ثلاثة ملايين عاطل في البلد من خريجي الكليات المتنوعة الاختصاصات فلماذا لا تفتحون دورات لهم لكي ينهضوا بمثل هذه الاعمال ويساهموا في حل المشاكل وانجاز المعاملات بأسرع ما يمكن وبذلك ينقذون المواطنين من الانتظار الطويل والتعرض للظروف الجوية الصعبة وتقلبات الجو وانقاذ الشوارع والارصفة من المتسكعين الذين يضطرون تحت ظروف البطالة والافلاس الى ارتكاب الجرائم والسير في دروب السرقة والاحتيال والتزوير وبالتالي اتخاذ اجراءات (صحة الصدور) هذه النغمة النشاز التي تعرقل المعاملات وتسبب مضيعة للوقت واللجوء الى الوساطات ودفع (الرشاوى) هنا وهناك للخلاص من هذا (العذاب الاداري) والمسرحيات الهزلية التي (تعرض) على مسارح الدوائر الحكومية..
بعد ذلك حاولت ان استعين بموظف كان متحمساً رفض ان يعرفني بأسمه ، ثم ادعى انه مدير الشؤون القانونية وكان جوابه متشنجاً وصاخباً انتهى بمقولة (هل انتهى الدوام) ونحن في الساعة الواحدة والنصف ظهراً، وبعد كل هذا تبين ان وقوفنا لا مبرر له لان المعاملة (صحة الصدور) سوف تذهب الى التسجيل العقاري بالبريد الرسمي.. ولم يبلغنا أحد بذلك الا بعد (اربع ساعات) من الانتظار..
ولعل ما يثير العجب هو النداءات التي تطلقها احدى المذيعات بالمتطلبات وهي تخالف المكتوب على اللوحات، حيث تشير المذيعة الى دفع الف دينار للهوية والف ومائة دينار للبدل الضائع.. في حين ان اللوائح المكتوبة تشير الى (750) ـ (850) وتؤكد على مراجعة المدراء عند الحاجة.. والمدراء يوصدون الابواب والنوافذ والاذان، ولا يستمعون لشكوى ولا يعالجون أي مسألة.. وارجو ان يعلم الاخوة الموظفون بأنهم يستلمون رواتبهم لخدمة المواطنين وليس للصراخ وتعطيل وتعقيد الاجراءات وضياع الاف الساعات على انتظارات سخيفة باهتة.. وقضاء ساعات ترفيهية من النهارات الطويلة.









