حسين الذكر
قبل ايام صليت في احدى حسينيات مناطق بغداد الشعبية ، التي كنت ازورها ايام الدكتاتورية مرات متقطعة ، في ذلك الزمن المليء بالخوف والتجسس والتقارير والاعتقال والرعب والموت ، قد عجبت لامرها وانا اجدد زيارتي المتقطعة لهذه الحسينية ، التي اشتهرت بمكتبتها وشهدائها لا سيما من ابناء المقابر الجماعية ، فقد كانت برغم تلك الايام السود ، عامرة بالمصلين وصفوفها الاولى والاخيرة مزدحمة بكل الاوقات ، حتى انهم يضطرون للصلاة خارج حدودها المعتادة ،اما اليوم ومع نسمات الحرية ، فأنها ما زالت فقيرة بمصليها ، الذين لا يتجاوز عددهم سطراً او ثلاثة بافضل الاحوال ، جلهم من كبار السن ، في حالة تستحق الدراسة والتأمل وإعادة النظر بالكثير من اساليب التربية والتوجيه والاعلام في ظل زمن العولمة .. بهذه الحسينية ، سمعت محاضرة للشيخ المجاهد المجدد احمد الوائلي طيب الله ثراه ، الذي كانت محاضراته متابعة من غالبية شرائح الشعب بمختلف مذاهبهم وقومياتهم واديانهم وانتماءاتهم ، لانها كانت تخاطب الوجدان وخالصة لدين الله ولصالح الفرد والمجتمع ، وقد تناول فيها انذاك اداب الأكل ، وضرورة ان تتناسب مع الوقت والزي والمكان والمهنة ، وقد كان يضرب امثالاً من التاريخ الحديث و القديم ما يتناسب مع واقع المجتمع ، ليعزز ويرسخ المعلومة او النصيحة بذهن المتلقي ، ووفق درجاته الثقافية المختلفة ، أذ قال ( لو شاهدنا ، عاملا بملابسه المدهنة المشحمة ، ياكل وجبة غداء ( لفة ) وهو ماشي ، فان ذلك لا يثير الاستغراب ولا يلفت نظر المشاهدين ، لانه منظر معتاد تفرضه الضرورة احيانا ، ولكن لو شوهد رجل دين بعمامته او طبيب بشياكته وحقيبته او مدرس او وجيه معروف وهو يأكل (تلك اللفة )، لأثار الاستغراب والاستهجان والنقد اللاذع ، علما ان هذا السلوك ليس حراماً ولا مخالفا للقانون العام .. اتذكر ايام الدكتاتورية ، حينما كانت تمتلئ الشوارع باصحاب البيريات الحمراء ( الزنابير ) انضباطية السلطة القائمة انذاك ، كانوا يعتقلون اي عسكري حاسر الرأس ، بأي رتبة كان ، وفي احدى الايام اعتقلوا طالبا في الكلية العسكرية ، لانه كان يأكل (لبلبي ) ويدخن السكائر في الشارع العام وسط مجموعة من اصدقائه .. فيما ذكر شهود عيان انهم ، شاهدوا قبل ايام منظرا غريبا ، مع انه يمارس وكأنه طبيعي جدا بعراقنا الجديد ، فقد شوهد احد منتسبي قوى الامن الداخلي الذي يعمل حارساً لبوابة متوسطة بنات ، يلبس ملابس ضيقة ، مفصلة تفصيل خاص ، لا تمت الى الملابس العسكرية بصلة ، الا باللون ، وكان مصففا شعره بطريقة ( السبايكي ) ، بلا (بيرية ) راس و(العلج تارس فمه ) ونظراته تتطاير ، لا لحفظ النظام وحماية المدرسة ، بل لمتابعة اشياء اخرى ( …. ) ، ليست من صلب الموضوع ، كما أني شاهدت مقاتلاً اخر من ذات الصنف ، مع حملة السلاح وسط سوق خضار مزدحم بالنساء ، الا انه كان يضع خرطوم الناركيلية بفمه والدخان يخرج من مناخيره وسط استهجان وذم كل عراقي له حسرة على شرف المهنة ، لا سيما العسكرية منها ..









