اراء وأفكار

مفارقاتٌ عجيبةٌ في محافظة البصرة

 رافع بندر خضير

 

عندما نذكر جنوب العراق . تـَقـتَحِـمُ تفكيركَ مدينةُ البصرةِ ..

 مع أن في أقصى جنوب العراق ثلاثةُ مدنٍ كبيرةٍ

إلا إنْ البصرةَ تـُمثلُ المدينةَ الاهم  ليس فقط لأخواتها (ذي قار وميسان ) وإنما لكافةِ محافظات العراق. بما فيهن

العاصمة ( الحبيبة بغداد ) لسببٍ بسيطٍ جدآ . ذلك ان البصرة تـنتـِـج  80 % من نفط العراق لـِـتـُغني بذلكَ خزينة الدولةِ التي بالتالي يأكل منها ابناء العراق.

 وأنها المدينةُ الوحيدةُ في العراق التي يلتقي بها نهرانِ عظيمانِ يمثلانِ الشريانينِ الابهرينِ لأهلِ العراق،  وانها المدينةُ التي لها ضفافٌ واسعة تـطـِـلُ بضفائرها  على البحر … وعندما تذكر جنوب العراق.  تتلألأُ امامك  لؤلؤة  الخليج البصرة فهي زمانذاك مدينةُ النخيل والحناء، وهي صاحبةُ التراب الذي يرقد فيه الحسن البصري صاحبُ المعتزلة  والى جانبه العالم ابن سيرين (مفسر الاحلام)وهي التي انطلق منها اخوان الصفا وخلان الوفى . وهي عشيقةُ ابي الاسود الدُؤلي وبشار ابن برد  والحسن ابن الهيثم

والفراهيدي الخليل ابن احمد صاحب بحور الشعر وبدر شاكر السياب امير حركة الشعر الحر في الادب العربي  .

وهي المدينة العراقية التي تتميز بكونِ تسميات بعض مناطقها بأسماءٍ اجنبية مثلآ  (الجينا كمب) وهي منطقة في المعقل اي (China camp)   حيث كان معسكر يضم جنسيات مختلفة للجيش الانكليزي ايام احتلال العراق 1914 واغلبهم من الجنسيات الصينية والهندية التي  كانت تطلق جداتنا عليهم لفظة { كركه } حيث كـُنً حينما يسترقنَ السمع اليهم من خلف نوافذ  البيوت لا يفقهــنَ من لغتهم  شيئا فيطلقون هذه التسمية وقد وردت عند جميع اهل العراق كلمة {يكرك} باللغة الدارجة اي غير مفهوم وكثير الكلام ،وفيها جزيرة { كرد لان} في ناحية شط العرب اي   green land      وقد ذكر البصريون القدامى ان الطيار الانكليزي حينما كان يحلق فوق  ضفاف شط العرب سأله (برج مراقبة الطائرات)  عن مكان تحليقه  فيقول اني فوق الجزيرة الخضراء (green land  ) . وفيها سوق الهنود حيث ولامحافظة في العراق فيها سوق اشهر من سوق التوابل في البصرة وبهذه التسمية.

  ويـُذكرُ أن البحر اضاف  لأهل البصرة حضارات كثيرة مثل  صناعة السفن والزوارق  والطب  واستخدام الطب البديل وزراعة اشجار غريبة جـلبت من لندن وبومباي وجميع اصقاع  العالم  وكذا البصرة نقلت الى العالم ما جادت به حضارة  سومر والهلال الخصيب. وكذلك طيبة اهل البصرة وَجَدْتها  طبيعة البحر حيث كان اهالي البصرة يستقبلون يوميا مئات السفن ناقلة آلاف الاشخاص من الاف الجنسيات  ومما تقدم يتضح للقارئ الكريم إن هذه المدينة لها تاريخ كبير ولا تزال تنضحُ  خيراً وعطاءً  لكل العراق.

 لكن المفارقه العجيبة !  إن هذه المدينة التي هي ( خبزة العراق )كما يطلقون عليها {  الخبازون } لا يأكل ابناؤها من

هذه الخبزة ولا حتى الثمن ..

( فكردستان ) تأكل نصفها والنصف الاخر للمحافظات وللبصرة كما يقال باللهجة  العامية (الحروف )اي اطراف الخبز اللين. 

  والمفارقة الكبرى ان في البصرة مئات الشركات الاجنبية التي تعمل على انتاج النفط  ولو مررت وأنت  قادم في الليل

من محافظة ذي قار وعند حدودها في (حقل صبه)  تشاهد الصحراء وقد اشتعلت  بنيران كبيرة كنيران (جهنم)  وكلما اقتربت  اكثر الى البصرة  لا تستطيع التنفس لشدة  تلوث الهواء من الغاز الذي تبعثه هذه الابار المشتعلة .

 ويقال انها تهدر 30 مليون دولار كل يوم من  الغاز دون ان تستثمره الحكومة … وبات استثمار هذا الغاز ينغرسُ سكيناً مُـلوثةً  في صدور اهاليها مُـخلفةً امراضاً  سرطانية  ولو اطلعت على اعداد المصابين بالسرطان في البصره لوليت مدبرا .

والمفارقة الاخرى ان هذين النهرين العظيمين الفرات ودجلة يلتقيان في شمالها ولكنَ هذا العذب من الماء يـُـهَـدرُ الى البحرِ دونَ ان تستثمره الحكومة ويـَـظـَـلَ البصريون عـَـطاشى إلا من رحمةِ  الله.

والغريب إن جيراننا جمهورية ايران الاسلامية  قطعت جميع الانهر التي تصب في شط العرب ليزداد هذا الكائن العملاق ملوحةً والأغرب ان ابناءَ عمومتنا الكويتيين سلبوا اغلب الاراضي العراقية التي بيننا وبينهم واستحوذوا على ابار النفط فيها وقرصنوا { خورعبد الله} وعبد الله هذا سيدٌ عراقي يعمل في البحر . سلبوا اهل الكويت اسمه وماءه  ألعراقي

والمفارقاتُ كبيرةٌ وكثيرةٌ ومؤلمةٌ لمدينةٍ ولـِدتُ فيها وتربيتُ بين ذراعيها  وحضنتني وعلمتني .لكني أراها اليوم

تـَـذبلُ ونحن ننظر اليها مشفقين فقط غير فاعلين ..  ورَحِمَ الله ابا مُحسّدْ المتنبي حين قال: 

 ومن نكدِ الدُنيا على الحُرِ أن يرى 

                     عدواً له ما من صداقتهِ بدُ

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان