اراء وأفكار

بغداد.. من صور الشعراء.. الى صور الأولياء

نعيم عبعوب الكعبي

 

امتداد مدينة عريقة كبغداد في التاريخ البشري والحضاري للعرب خصوصا وللشرق عموما تمثله صورة بغداد في المخيلة التاريخية ، وحتما هي الصورة الاقرب الى المدينة المكتملة الجمال في بيئتها وعمرانها ومكانها الجغرافي عندما يتوسطها دجلة بين رصافتها والكرخ يشكل لها خصوصية جغرافية ساحرة تجعلنا نتأكد أن المدن الخالدة هي من تتغذى على الانهر وتصنع ليلها ، لهذا نرى خلود باريس في نهر السين ، والقاهرة في النيل ، ولندن في نهر التايمز ، وبودابست الدانوب ، وهكذا تصنع الانهر وجود المدن العظيمة فتحسها قريبة الى صورة الشاعر واخيلته والى طموح الملوك والولاة ليجعلوها مدن تتباها بعظمتها.

بغداد الحاضرة الدائمة في وجدان اهلها ومن يؤتمن على الحفاظ على بريقها وبهجتها وعمرانها تمثل بالنسبة لنا الذاكرة الاكثر نشاطاً لتوحد صورة الكل العراقي ، وتشعر ان العراق بدون بغداد صدى لايوحده إلا تلك الادعية والامنية التي ترفعها اكف زائري مراقد الائمة والاولياء في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء وبقية مدن العراق وهي تلهج بدعاء وحدة العراق وسلامة العراق من خلال سلامة بغداد ، فليس لنا سوى بغداد جهة نلتجئ اليها عندما نريد أن نلملم شتاتنا الوطني في امنية واحدة ، فهي مدينة المئذنة وبرج الكنيسة وسقف المعبد ، وهي قبة الذهب ومحراب الصلاة والمدرسة الاثرية ، وهي اجمل ما تغنى بها الشعراء من زمن المنصور حتى زمن التحرير ( علي بن الجهم ، ابن زريق البغدادي ، الزهاوي ، الرصافي ، السياب ، البياتي ، الجواهري ، الاخوين رحباني ، نزار قباني ، مصطفى جمال الدين ) والعشرات ممن رأوا في بغداد الصورة الاقرب لنبض الشعر عنما يكون هواه وعشقه مدينة.

في عملي كأمين للعاصمة المحروسة بغداد ، اراجع بين الحين والاخر كل هذه الدرر الادبية في تراث بغداد وما قيل عن بغداد ، لأن ما في هذه القصائد هو من بعض الحافز الذي يضع امامنا تصورات جديدة ومبتكرة لتطوير واقع بغداد في الجانب الجمالي من خلال تطوير العمران وتغيير الصورة الى الافضل ، لشعوري أن تلك القصائد تحمل صورا دقيقة المشاعر والاخيلة والافكار والتصور ، فما يريده الشعراء في وصف بغداد ومدح بغداد والحديث عن بغداد هو من بعض طموحاتهم لتبقى هذه المدينة زاهية كما في عهدها القديم ، وعليه فأن جميع تصاوير هذه القصائد تضعنا امام بانوراما لمشهد بغداد كاملة وهي محملة بعبق التاريخ كله وذلك المجد التليد. صورة بغداد في الشعر هي صورة المخيال الحضاري لمدينة لم يكتب عنها إلا لشعور الشاعر انها تستحق كل هذا الابتهال والانشاد والمديح والوصف ، ومن هذه الخصائص التي قلما تحملها مدينة في هذه الارض عدا ( مكة المكرمة والقدس الشريف ،  ومدن الائمة الاطهار ) كنت ارسم الكثير من الافكار والمشاريع والحوافز لنطور فيها عملنا نحو رسم صباح جميل لبغداد نشعر جميعا انها تتألم وتعتب علينا بسبب انها اهملت كثيرا جراء حروب متوالية وحصار طويل ، وانظمة جائرة.

صورة بغداد في الشعر هي من بعض حوافزنا لنعمل الكثير من اجل بغداد ، ويجاورها في هذا صورة اخرى زاهية ومشرقة هي صورة اولياء بغداد وحراس ايمانها وصلاتها ، هؤلاء هم بركتنا جميعا وهم يشكلون في صورة بغداد المكانة الروحية الغالية والتي نعدها المحفز الاكبر في دافعنا لنبني بغداد ونعمر بغداد ونعلي من صرح بغداد . الاولياء هم الاقرب مكانة الى الله في زهدهم وفقههم وترفعهم واستشهادهم ، الائمة ، والسادة الاشراف ، والعلويين ، واصحاب الطرائق ، والعلماء ، وآيات الله والمجتهدين .  هؤلاء كلهم مع صورة صروحهم واضرحتهم يمثلون الصورة الابهى للوجود الروحي لعاصمة عريقة مثل بغداد.

مدينة يعمرها هذا الوهج المنبعث شذى وعبق ونور من افئدة هؤلاء الصالحين والمعصومين ، ومنهم من كان شهيد الدين والمذهب ومنهم من توافاه الله بعد عمر من الزهد والتقوى ، وجميع هؤلاء كانت بغداد مثواهم ورقادهم الابدي ليشكلوا اليوم جزءا عريقا وعظيما ومميزا من تراثها الروحي والعمراني والاثري.

بغداد بين صور الشعراء وصور الاولياء تمثل لنا في امانة بغداد الدرس الاكبر في التعلم من اجل جعل بغداد حاضرة مدنية وجامعة للشمل العراقي موحدة لكل مكوناته ، لهذا فأن ما نخطط له من اجل بغداد ومستقبل بغداد هو من ضمن طموحنا في همته العالية لننجز لها مشاريع تخدم اهلها وتعلي من وجودها بين المدن العظيمة التي تشرب من ضرع الانهر حليب وجدها وتحيا راقية وعامرة وانيقة.

بغداد نشعر فيها في الامانة انها مدينتنا الانيقة ، وان تصاوير اوليائها وشعرائها تمتد في مدى العين الناظرة لنحولها نحن من الطموح الى الواقع .عاصمة للعراق وللعرب وللبشرية كلها…!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان