كتاب الحقيقة

عبد الكريم قاسم في لحظاته الأخيرة

نجم الساعدي

اليوم اكتب عن اليوم الاخير في حياة الزعيم وعن اللحظات الاخيرة وهو في مواجهة الموت وعيناه تصبو نحو فقراء وطنه الذين ضحى بحياته من اجلهم وانقل عن شهود من اعدائه الانقلابيين ادلوا بشهاداتهم في لحظات ربما تكون (صحوة ضمير) وهم في خارج العراق بعدما اكتشفوا ان انقلابهم ونجاحهم سرق منهم، سرقته المخابرات الامريكية والبريطانية بواسطة عملائها الذين تسلطوا على مقادير الحكم.
يقول هادي خماس وهو من القوميين الناصريين واحد منفذي الهجوم على وزارة الدفاع والذي قام بنقل الزعيم عبد الكريم بمدرعته من وزارة الدفاع الى دار الاذاعة في الصالحية يقول: ” ان عبد الكريم قاسم كان عندما استسلم لنا انيقا في ملبسه العسكري، حليق الوجه” ويؤكد ذلك الدكتور كمال السامرائي الذي عاين جثة الزعيم في الطب العدلي ويقول: “كانت ملابسه نظيفة حتى ان حذاءه كان لونه قهوائيا يلمع” وهذا يعني عدم تخاذله وخوفه حتى في ساعة حتفه وقد تصرف بهدوء كبير، ولو كان جبانا كما زعم البعض لما رفض هو ورفاقه عصب اعينهم لحظة اعدامهم!! وفضلوا مواجهة الموت وجها لوجه وهذا دليل الشجاعة لانه عاش مطمئنا ادى رسالته التي كان العراق مركزها والفقراء مادتها ووطنيته العراقية وحبه لوطنه منطلقها والواقعية منهجها كما يقول الدكتور عقيل الناصري.
وذكر منذر الونداوي احد قتلة الزعيم والطيار الذي شارك في قصف وزارة الدفاع ومعسكر الرشيد مع بعض الطيارين (فهد السعدون، واثق عبد الله) وقد عين فيما بعد قائدا للحرس القومي سيئ الصيت، وقد شهد اعدام الزعيم في دار الاذاعة يقول :” لم يحاول عبد الكريم قاسم الاسترحام او طلب العفو وانما كان طبيعيا” ، ويؤكد ذلك عبد الستار الدوري احد حضور المحكمة الصورية في دار الاذاعة حيث يذكر “بان الزعيم عبد الكريم قاسم كان رابط الجأش متماسكا لم يفقد اعصابه وتكلم بثقة وبقي محافظا على هدوئه حتى آخر لحظة من حياته”.
ومن المهم ذكره ان المرحوم ناصر الجنابي مدير عام شركة الخطوط الجوية العراقية ارسل رسالة الى الزعيم الشهيد يخبره فيها بانه جهز طائرة خاصة في مطار المثنى لنقل الزعيم الى تركيا او اي بلد يختاره فأبى  ذلك لثقته العظيمة بنفسه وصموده.
كذلك فأن السفارة السوفيتية في بغداد اتصلت بالزعيم وطلبت منه الموافقة على قيام القوات السوفيتية بعملية انزال بحري في البصرة فرفض قائلا: “لا ابدل استعمار باستعمار اخر”. كذلك طلبت السفارة منه اللجوء الى المبنى الخاص بها فرفض.
اما هاني الفكيكي احد اعضاء القيادة القطرية لحزب البعث والذي هاجر فيما بعد وكتب كتاب (اوكار الهزيمة) فيقول: “بعد دقائق من الاستجواب في ستوديو الاذاعة باعدام الزعيم قاسم ورفاقه الذي رفضه الزعيم مع الانقلابيين الذين تقدمهم عبد السلام عارف احد الحضور حكما وطعن فيه من الناحية التشريعية وكرر مطالبته بمحكمة عادلة اصولية وعلنية وخاطب عبد السلام عارف “انني لم اعدمك” ووجه كلامه الى البقية” انكم وعدتمونا بان تسمحوا لنا بترك العراق؟” هنا صرخ المقدم عبد الستار عبد اللطيف الذي اصبح وزيرا للمواصلات مخاطبا عارف وكانه عمر بن سعد في معركة الطف “ماذا تنتظرون.. الوقت حرج جدا فلابد من البت بالامر بسرعة، اقتلوه الان ولاتبقوه حيا فايده جميع الحاضرين فانهمر الرصاص على الشهداء”
نلاحظ الفرق بين المحاكمات التي كانت تجرى ايام قاسم في محكمة الشعب التي كانت محكمة علنية تطبق فيها كل اصول المحاكمات من دفاع وشهود وبينات وقرائن وقد استاء بعض المتهمين في هذه المحكمة من اعترافات نزعت منهم بالقوة في التحقيق فلما سمع الزعيم استدعاهم وقابلهم وحقق في الامر وعاقب بعض هيئات التحقيق.
يقول الكاتب حمزة الحسن: “ان المتهمين حصلوا على فرصة نادرة في تاريخ العراق في الدفاع عن انفسهم وعلنا احيانا من على شاشة التلفزيون بل ان ناظم الطبقجلي كان قد كسب تعاطفا كثيرا من الناس في دفاعه عن نفسه في المحكمة وهذا طبيعي في ظروف محكمة علنية فريدة من نوعها في تاريخ العراق حيث تستطيع اسرة المتهم رؤيته عبر الشاشة”
وفي شهادة له يقول حسن العلوي:” كان العقيد المهداوي رئيس محكمة الشعب على اطلاع جيد بتاريخ الادب وله المام بالشعر واللغة وكان سريع البديهة صريح العبارة وقد ادار المحكمات الاولى بجدارة ملحوظة قياسا الى المحاكم العسكرية الاخرى”.
ومن الامور المهمة التي حدثت ان الجماهير المناهضة للانقلاب وخاصة الفقراء منهم تجمعوا امام مبنى وزارة الدفاع وقاوموا ببسالة وطلبوا من الزعيم ان يعطيهم سلاحا الا انه ابى بسبب خوفه عليهم واستمرت المقاومة في انحاء بغداد في الكاظمية وشارع الكفاح وباب الشيخ وعكد الاكراد.
وفاتني ان اذكر ان صوت الزعيم الشهيد انطلق عاليا مع انهمار الرصاص هاتفا بحياة الشعب.
لقد استشهد الزعيم وكانت كلماته الاخيرة قبل اعدامه “انكم تستطيعون قتلي غير ان اسمي سيظل خالدا في تاريخ الشعب العراقي” وهذا ما حصل فعلا.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان