اراء وأفكار

الشهداء لا يعودون هذا الأسبوع

الجزء الثاني

 رياض رمزي

 

نقلا عن أبو الروض فأنه قال أنه حاول أن يغذي عدم رؤيته له برسم صورة تشبه ما يقوم به فنان يقوم برسم بورتريت لشخصية تاريخية يزين بها كتابه عنها من معلومات يستقيها مما كُتب عنه.” لم أره و لكني شرعت بترجمة صفاته إلى صورة كما يلي: سأختار له وجها مستطيلا كوجوه مودلياني التي لم يخطر لها غير الحزن و الشعور بالخطر على بال. ليس حزنا من النوع الذي يجعل الوجه مكفهرا أو من النوع يكسب حامله شفقة، بل، و لأنه غير قادر على حجبه بتكلّف سعادة مصطنعة، يستحث فضولا إن كان هناك أمل بقرب تلاشيه، حتى ليهتف من يشاهده من شدة الالتباس بتعرضه لمكروه” تغلّب على أحزانك يا سيدي”. سأختار له قواما نحيفا لأنه لا يصلح أن يكون نهما، يجعل لجسده مطالب عليه. فهو يعرف أن ليس لدى الجسد سوى مطلب وحيد إذا جاع، حيث يصدر ضوضاء إلى العقل على شكل استغاثة لمستغيث و الرجل يقلب عينيه في الجهات لكي يجعله متخما. سوف لن أضع لونا لبشرته لأنه بعيد عهد بالأرق. فلياليه تتراوح بين التورد و بين لون عود الثقاب حسب نوع العذاب الذي يعانيه و الفرحة لوجه يحمل مسؤوليات وفقا للأنباء التي تأتيه من القارات عن صحة الثورة العالمية و الصعاب التي تجابه زحف الكادحين للوصول إلى جنان عدن. سأجعله يرتدي نظارة بزجاج دائري صغير من النوع الذي يضعه جيمس جويس على عينيه، لأنه يحب قراءة الكتب التي تجعله يفكر بما لا يفكر به آخرون كثيرون غيره. و سأسكنه في منزل متواضع فيه ركن يحتوي على كرسي و منضدة صغيرة، ينزوي فيه لقراءة الكتب و الأشعار و ممارسة نزوات فكرية يتعاطى فيها الخيال عن شكل مجتمع سيأتي و سينظّم شؤونه حسب قانون من” لكل حسب قدرته” إلى” لكل حسب حاجته”، و هناك نبرة من افتخار تعم كيانه مثل طفل يدخل مرحلة مراهقته الأولى، رافضا تأجيل تنفيذ أحلامه إلى يوم الغد. سأجعله ولوعا بارتياد السينما. و سأجعله يذهب لعروض الساعة الواحدة و النصف ظهرا في قاعات السينما الرخيصة، متى يخرج بعدها متلبسا دور البطل. و مما يزيد من تأجيج بطولته الحرارة اللاهبة للشمس في الخارج مقارنة بالقاعة المكيفة في السينما. دار العرض تلك التي يشاهد فيها الأفلام تختص بعرض الأفلام الهندية و العربية. كان يحب الأفلام ذات النهايات غير السعيدة ليسنََّ عليها إرادته بجعلها سعيدة. ربما في قاعة العرض تلك شاهد سعيد مهران يموت في نهاية فلم اللص و الكلاب، و شاهد رجال الشرطة ينفثون سجائرهم قرب جثته. عندما شاهد شكري سرحان الميت رماه بعين مشفقة. و بما أنه شخص تسعده مفاجآت التراجيديا فقد تقدم خطوة و شاهد نفسه تأخذ عهدا بأنها هي سعيد مهران و أنه هو المقصود بالقتل. فكان على شفا البكاء عندما رأى ما يثير الألم أو الغيظ: سعيد مهران يتمدد ساكنا على الأرض لا هو بمتزوج حبيبته نور و لا ابنته سناء اعترفت به أبا. لقد تعلم أن يتوحد مع الشهداء و لا يتساءل إن كان ما يراه يحدث في الخيال. وكان بيته ليس بعيدا عن النهر. سوف أغض الطرف عن وضع عائلته الاقتصادي خوفا من إجباره على العمل بعد الدوام المدرسي لإعانة عائلته. سأنقل فقط ما تذكّره جاره عنه و الذي كان يتبادل التحية معه كل صباح وهو يجهل مهنته. قال بعد شيوع نبأ موته” لم يكن من الصعب تمييزه من طريقة سيره. و برغم أنه لم يكن يضع أنواطا تميِّزه على صدر معطفه، فقد كان يحوز على قدر غامض من التأثير يفتح الشهية لمعرفة وضعه من شدة تحوّطه. ذلك ما فتح شهيتي لمعرفته فتحول إلى مصدر غموض أكثر، لم أعهد أحدا يماثله. لم أتساءل إن كان من أصحاب المقامات العالية، أو إن كان سعيدا أم تعيسا، أو إن كان سيدا أو أحد تلامذة يسوع، بل ما كنت أبحث عنه هو ما يحوز عليه و ما استغنى عنه . كانت السحنة التي تلائم طريقته في السير ألا يكون مهموما يعلو وجهه اصفرار، لأنه سبق و إن تشبع بالخيال من كثرة ما قرأه من أشعار كما فهمت.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان