الجزء الثالث
رياض رمزي
هذه دعوة أوجهها لكل من يعرف شيئا عن هذا الرجل أن يكتب شيئا و بوضوح عنه، و كما يستطيع. إذ لا أحد يذكره لا هذا الأسبوع و لا الذي قبله و ربما الذي سيليه. بماذا ينفع التكتم على موته؟ ناهيك عن الشكل الذي اتخذه؟. هناك تملص واضح من عبء ذكراه. لماذا؟. ترى ما الذي جعله يستبدل بيتا و عائلة و مسكنا بقبر موحش تعمره الهوام؟.)
حقائق
الاسم: متي الشيخ.
ولادته: كان الأب عند ولادته يقف وراء الباب ينتظر، بشفاه شاحبة، صراخا من القابلة” ولد، ولد”. أجهش في البكاء وهو يسمع صوت المقص الذي سيدع الولد يلتمس طريقه إلى الدنيا. و بقي ساكنا لصق الباب كي يتأكد من إصدار الولد للصوت. عندما سمع الصرخة الأولى رسم علامة الصليب. أول ما شاهده الوالد مجموعة كدمات بلون الياقوت غطت جبينه. جسّ الأب قلبه كي يتأكد إن كان قد تزحزح عن موضعه. كان ينبض. قالت الأم ” عليك أن ترى إن حدث شيء لعقله”. قال الوالد” نحتاج إلى سنين كي نتأكد من ذلك”. قالت الأم” لا يسعني الانتظار حتى يكبر في السن”. ثم تساءلت” ماذا ستفعل؟”. قال” سأستشير البروج”.
أدار ترس البروج بيده. مر الأسد، السرطان… أوقف بيده برج الحوت كان برجا مائيا. تفرس في المعلومات التي يحويها البرج. لم تقل له البروج كيف سيعيش الولد بل كيف سيموت. شاهد طفلا يسبح متبوعا بحشد من ثعابين الماء و قد أثار هياجها. رفض الوالد تصديق ما رأى.
موته: أظهر رعبا غير معتاد عندما رأى أن الموت قادم إليه هذه المرة و الحمرة بادية على أظافره. اضطرب و شعر بالتعاسة، فهرع إلى قلبه ليحصل منه على إثبات لما كان يبشره به جنانَه منذ زمان. إذ وقفا للعرف السائد و لما قرأه عن مسيرة الشهداء، فأن الشهادة تسير على ما يرام عندما ينطق من سيكون شهيدا بعد قليل بجملة أو عدة جمل، عادة ما ينطقها الشهداء، فتصبح مراثي تنقش على قبورهم. لكن الدنيا اسودت في عينيه عندما رأى أن الأمر خلاف ما كان يمنّي نفسه به، كأن يُسمح له بإلقاء مقاطع من كلماته أو حتى مقطعا واحدا لشاعر آخر. ذهب إلى الاتساع المجهول للموت و ليس معه غير” عاش الشعب” لأنه لم يكن يملك ما يكفي من الوقت للانضمام إلى موكب الشهداء المحترفين الذين ذهبوا و لم يكن يشوبهم قلق على مصير ذكراهم، لأنهم نفخوا قبل الذهاب ببوق جملة سيظل دويها مسموعا على مر العصور، عندما قال أحدهم” الشيوعية أقوى من الموت و أعلى من أعواد المشانق” و التي ضمن بها حياة مديدة بعد موته. علّم القاتل كل مكان من جسده بالرصاص و كأنه ينخب الحديد. مع أن طلقة واحدة تُسدَّد إلى موضع القلب تكفي لترتخي الساقان، يفغر الفم و يتمدد مثل سمكة تموت على البر غير محدّقة بأحد. فالموتى عندما ترفعهم عربة الموت لا يرفعون قبعتهم لأحد. هل القتل سيكون أفضل وقعا عندما يقول، من ستتوقف سنوات عمره عن الحساب بعد قليل” لا أطلب منكم شيئا غير جملة و لتكن إشارة أختم بها حياتي؟” ، كما فعل زوج أخت ملك بلجيكا ليوبولد عندما تقدم نحو فصيل الإعدام صافحهم و تقدم نحو من سيطلق النار عليه أشار إليه إلى موقع القلب و قال” صوِّب بدقة”. لأنه قرر بطريقة مبتكرة التغلب على الموت بقهر النسيان عن طريق أصبع واحد يري قاتله موضعَ القلب، مبتكرا بذلك طريقة لوداع الحياة تجعل الكل يتذكر أنه لم يرفع قبعته رهبة من الموت، بل قرر أن يصنع من وداعه للدنيا حدثا يطيب فيه مزاج من يسمع بموت حدث بهذه الكيفية، و على نحو يتخطى قدرة من يأخذ منيته كأمر مسلّم به فيظل يتذكرها. حتى ليعجب الأحياء قائلين” هل يا ترى مات هذا الرجل عدة ميتات؟، من أين له إذن هذا الفائض في المراس الطويل مع المنايا، كمن قضى سحابة حياته نزيلا في مساكن تقع في منطقة الخطر الدائم و مقارعة الموت؟ و إلا كيف تسنى له جعل وداعه للحياة استثناء ملحوظا؟”. ثم يمضي نفس الرجل متسائلا” أما كان من الأجدر بالقاتل أن يمارس لطفا علينا بأن يدع الرجل الذي اسمه متّي يطلق تصريحين لينحفرا في عقولنا ليظلا خالدين مثل كهفين في جبهة جبل؟”.









