الجزء الأخير
رياض رمزي
هناك شخص واحد يرتعب على الدوام من قوة جنان الشجعان أسمه أبو الروض قال و قد أصابته الرعدة” أجل أفلح الحوت في ابتلاع يونس و لكن هل وفق في وأد ذكراه؟”. هذا الرجل يدَّعي أن هناك تبعات حتمية يدركها القاتل إن هو سمح لهذا الرجل و غيره بالكلام. فإن سمح لإلقاء وداع للحياة فستصبح لكلماته تبعات حتمية تثير فزع من ينتظر دوره ليغدو قاتلا. فهي أشبه بنتف من أغاني تواصل التعرف عليها و ترديدها جمهرة من المستمعين، و ستعطي المجال لروايات و أشعار ستزدهر بها سلالة الشهداء التي ستتحول إلى ما يشبه شوارع تحمل أسماء قديسين ماتوا و حاول القَتَلة طلي سجلات أسمائهم بالورنيش. مر الزمان، و تساقطت قشرة الصبغ و ظهرت حروف الأسماء القديمة لامعة تؤذن بعهد جديد. أجل تقوم الطبيعة بأفضل ما تستطيع. فقوانينها لا تتقادم، فهي من سنت قانونا شرّعت فيه أن الضبع لا يحل أبدا محل الهزبر. نعم القاتل ينصرف بكليته لمنع خلود قتلاه. هذه هي الفكرة: القاتل يعتبر الضحية وحشا يريد التهامه. و عليه قتله قبل أن يسمع أحد تردد زئيره. حسنا لماذا؟.
لأن انتصار الضحية مدعاة لانهيار الأساس الذي تقوم عليه تراتبية الكون. لو وصف الشهداء طريقة موتهم مرفقة بتفاصيل تثير هلع الأحياء الخانعين، لكان الخاسر الأكبر هو من أشاد الكون و سمح بحدوث ذلك عندما أقسم يمينا مغلظا أنه سيضع كل من ارتكب قتلا بدون وجه حق في عداد خصومه، و ستتلمس نار الدنيا طريقها إليه. هكذا إذن، القَتَلة على حق لأنهم يسعون لحماية ناموس الكون من الثأر الدموي للضحايا.
إن عدنا لهذا المدعو أبو الروض الذي فشلت ملكاته الفكرية في استيعاب وجود بشر لا يغذّون النار بغير الوقود، و لهم سلطان قليل على مهجهم التي يعاملونها كأعداء يقطعون عليهم طريق الفرار أبان المواجهات الكبرى، فأنه يدّعي أنهم بشر ابتلتهم مصيبة مردها أنهم يعانون من وجود فيض في طاقة جعلتهم يكلمون الدنيا بأقسى لهجة و كأنها عليها سداد دين لهم عليها. أنه يقول” أنا أبحث عن ذلك الشيء الذي هو أبعد من النظرية التي آمن بها و جعل ذاته أكبر منها. ذلك الذي استيقظ يوما في عقل سبارتاكوس، تشي جيفارا و يوسف سلمان يوسف/ فهد… جعلهم يحيون وفق سنن شرعوها لأنفسهم. فالشجاعة، الرغبة في المغامرة، الميل نحو الاشتباك، كلها تشبه لديهم إدمانا ليس له علاج. يظهر لديهم ميل لإبراز ذلك الفيض الذي، عندما يتخطى الحدود و يعجزون عن لجمه، يتحول إلى شبق يدفعهم لأن يصنعوا منه فعلا مدويا يفوق المألوف، إقداما يصم الآذان و كأن ما يقومون به قد ولد معهم أو أن آباءهم دربوهم عليه. يروح من يحمل هذا الفيض إلى البحث عن مجال يُظهر فيه هذا الفيض الجسيم، و الذي يعدّه الآخرون، خطأ، قدرا كتب عليه. هؤلاء الرجال الذين تنتابهم الغبطة وهم يسعون للوصول إلى موضع لم يصل إليه أحد من قبل، و سيصيبهم الغيظ عندما يجدون أنهم ليسوا كفئا لما صنعوه في خيالهم من تحديات، فيعمدون إلى زيادة ما لديهم من جرعة في القوة ليخوضوا غمار المواجهة التي تتغلف بسحر تجعلهم يشعرون فقط بأفضليتهم عندما يدججون أنفسهم برغبة للتحدي، غير متسائلين عما سيؤول إليه مصيرهم. يكرهون التسويات الودية، و ينوشهم الغيظ إن جنحت المواجهات إلى يسر، لديهم ضرب من نرجسية لأناس لديهم أيمان راسخ بقواهم و يسعون لأشهاد الناس على ما يمتلكون من جنان يحوز على معدات كاملة من شأنها أن تفكك المهام التي تفوق صعوبتها كل مدى.
لم يتساءل ماذا عسى أن يؤول إليه مصيره، لأنه كان يشعر بوقع قدوم الموت، لكن خيبته بلغت من حدتها مبلغا عندما رأى شيئا ما يفتقر للجدية و بما لا يتفق مع وضعه المقبل كشهيد. ليس لأنه لم يكن هناك من أحد ليشد من أزره أو يخفف عنه، بل عندما لم يطف بتصوره أنه في لحظة الاستشهاد لن يكون هناك من أحد ليدون ما سيقول، و ما هو أشد وطأة عليه أن القاتل ضبطه متلبسا في الرغبة في قول شيء يثبت جدارته بحمل لقب شهيد. فبادره إلى القول” لن يكون الأمر كما تتمنى. ستذهب إلى ما هو محتوم، ولا نسمح بإحداث ضجة عن طريق إضافة أي تفاصيل”.
لشخصية الرجل حدود واسعة تتجاور مع مملكة الشهادة. حذرت زوجته ابنَها قائلة” سوف ينتهي والدك شهيدا. تذكّر ذلك”. ارتكز يقينها على طباع لديه تعرفها. منها أنه كان عنيدا بالفطرة و ليست لديه عادة الاحتفاظ بقناعاته لنفسه. ناهيك- كما تقول- أنه مثل صوفي مثقل بعبء مجاهداته. – و ماذا غير ذلك أماه؟. – أنه رجل لم يخلق لأوقات سطحية و لم ينحن أبدا سوى تحت دعامة باب قصير.- و غيرها؟ – كان يردد في الصباح ” يوم آخر يجيء”، وليس” يوم آخر مضى”. – هل من مزيد؟. – كثير من الخصال لا يفاخر بها برغم أنها مواهب يُغبط عليها الرساليون: تحمل الأذى، حفظ الأسرار مثل ميت سمّر غطاء النعش عليه. و من ذا سواه يحفظ العهود يا ولدي؟. كان ذلك ما أهلكه. بصراحة إن وضعت أيامه على الطاولة و تفحصتها ستجد أن اليوم لديه أشبه بملبس يلبسه جديدا في الصباح كي يسلمه مخروقا عند انقضائه في منتصف الليل. من هنا فهو قد ضحك كثيرا وهو يردد” نلبس الأيام جديدة في الصباح و نسلمها منسولة في المساء”. قالت- نعم كان يعيش مواجهات صعبة. لهذا غدا، من كثرة ما واجهه من بلاء الأيام، بارعا في إبلائها.
منذ ذلك الوقت باتت لدى أبو الروض رغبة في معرفة شيء عن هذا الشخص الذي اختار أن يكون شهيدا دون تطبيق قواعد الشهادة عليه: أن يتم تبجيل طريقة موته، أن يرد دائما ذكر لطريقة حياته و شكل موته. مات دون أن يقول أحد شيئا عن تجربته في الموت التي تكللت بالنجاح. القاتل يقول هو موت كباقي الميتات و القتيل يقول أنها معلومة ناقصة أن تضعني مع الأموات. لو كنت تعرف ما كنت أهوى و أود فعله لما قلت ذلك.









