اراء وأفكار

مرة أخرى.. وداعا ناظم السعود!!

حسين الذكر 

 

   في منتصف عام 2006 وفيما كان عراقنا الجريح وشعبنا المظلوم يعيش في منزلق الحرب الاهلية الخطيرة التي عبثت -بكل أشياء حبيباتي- من نهرين ومراقد ونواعير وقصب وتراث وزقورات وملاعب ومعاهد ومدارس وجامعات وروضات اطفال ومواكب افراح واتراح.. لن يبقى شيء الا واصابه وباء الإرهاب بأنواعه البشعة ومفرداته سيئة الصيت، في تلك الظروف التقيت الزميل الاديب المبدع والصحفي الثقافي الرائد ناظم السعود، وقد كان يرتاد كازينو الجماهير في بغداد بالايام الاعتيادية، ثم يلتحق بسوق او شارع المتنبي ايام الجمعة، لم يتغيب برغم مرارة الاوضاع، لا سيما على المبدعين والرموز، وقد شاهدته باسوأ حال صحيا معنويا.. ماديا.. برغم روحه الصابرة الغارقة بحب العراق واهله، الموغلة ايمانا ببحر فلسفة الادب والثقافة والصبر على مشاق ابحارها مهما بعد الشاطئ وعلا تلاطم موج الغربة..

   عند ذاك كتبت عمودا صحفيا نشر باكثر من جريدة تحت عنوان (وداعا.. ناظم السعود).. وقد ازدحمت الاستفسارت والتساؤلات والدهشة، وعم الحزن على وفاة الفقيد العزيز، وزاد النوح والتأسي على علم من اعلام الثقافة والادب والصحافة العراقية المعاصرة… قطعا اني لم اكن اقصد في حينها نشر خبر انتقال روح الزميل السعود -أطال الله عمره- الى بارئها ودعوة الزملاء الى حضور مجلس عزائه.. بل اردت ان الفت نظر المسؤولين والمعنيين والمهتمين بالشان الثقافي والصحفي الى حال الزميل المريض المتعب المنهوك المسروق، بعد ان سمعت قرار هجره للعاصمة الحبيبة بغداد، وقصده الرحيل والهجرة الى مدينة الحلة مسقط راسه، بعد ان عجزه الحصول على سكن بسيط، يكون مستقرا ومأمنا له ولعائلته واطفاله في العاصمة التي عاش وترعرع وعمل فيها، فضلا عن انتشار مرض الارهاب المحيط بالعاصمة في كل مكان، وقلقه على عياله وارتباك قلمه وأجندته الثقافية الصحفية، لذا قرر السفر والانتقال الى احدى نواحي مدينة كربلاء المقدسة، لتكون مقر أقامته في عمق الصحراء في غرفة ملحقة بشبه بيت لاحدى شقيقاته، ليستطيع من هناك الاستمرار والتواصل مع معشوقته الكتابة، وعبقها المتشظي ادبا وثقافة وصحافة وأنواعا متعددة، تنتمي الى رحم الادب المتمخض في صدر وعقل وضمير وخاطر الزميل السعود، حزنا وفرحا وهما وحبا وحنانا للعراق وشعبه، من أعلى قمة بلوط راقص على دبكات كردستانية، مرورا بخرير الماء المتصاعد من نواعير راوه وعانه، حتى نواح وهديل الحمام وهو يروي قصص الموت وعذابات اهل الهور اللامنتهي ديكتاتوريا او ديمقراطيا ..

   منذ ذلك الحين، لم اتلقِ الزميل ناظم الا نادرا، عبر حكايات واعمدة وقصص يتناقلها الزملاء ممن زاروه او حظوا بسماع خبر عنه وهو في صومعته النائية وحيدا مريضا متعبا، لم يحظ بجديد من عراقنا الجديد، برغم مئات بل الاف المواقع والوظائف الحكومية والمؤسساتية، لمجتمع يدعي انه مدني.. يعيش مخاض التحول من الشمول المستبد المميت، الى التنوع الممتزج بطيف وقوس قزح شعب، منذ الاف السنين وبرغم تعدد قومياته ومذاهبه واديانه، الا انه ما زال يعيش بقلب واحد ولو كره المنافقون الحاقدون المستغلون المتلونون..

   وبفضل تقنية الفيس بوك، تمكنت اخيرا من زيارة ناظم السعود، وقد شكا حالا اسوأ مما كان عليه ايام حصار بغداد واقتتالها الشوارعي، حتى شعرت ان نعي ناظم السعود قبل سبع سنوات لم يكن نبوءة او طرفة او كذبة نيسان او نسج خيال او مجرد وقاحة صحافة صفراء، اذ ان ناظم السعود مات منذ زمن بعيد ولم يشعر به احد، بعد ان وزعت المناصب واستحوذ على المواقع وكدست الاموال في جيوب ووجوه متلونة قادرة على تغيير عناوينها وألقابها وأسمائها وزيها، كل حسب زمانه وسلطانه.. اما الجيل السقراطي حاسر الراس حافي القدمين؛ فقد تعلموا وتجرعوا السم والتضحية والموت بهدوء بعيدا عن نفاق ادعياء الثقافة والادب والصحافة.. وكل من ينهبون الملايين في عراقنا الجديد تحت عناوين رنانة، لا يعون منها الا البطن والجنس والتملق والتلون.. وتلك موبقات زماننا وابتلاءات مجتمعنا الموجع بالمحن، منذ اسس امامنا الشهيد ابو الاحرار الحسين عليه السلام مدرسة الحرية على رمال مدينة كربلاء، لتكون ارض كرب وبلاء، تعم بصفاتها كل فقرائنا الممتحنين بربوع وطن كان وما زال يفتخر بان كل ارضه كربلاء وكل ايامه عاشوراء ..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان