الفريد سمعان
رغم الاعوام التي أسرعت في خطاها وحملتني من مهد الطفولة الى سرير الشباب.. وما بعده حتى افياء المشيب
واحتضان ما تبقى من الجهود ..وانفعالات عصية على الندم .ونكران ما مضى .. والاصرار على التعايش مع كل همسة ولمسة واطلالة ..وتنوع واهدار بعض الساعات ..واخفاء بعض الظواهر التي يلفظها الصراع الذهني وحب الذات وهدير الافكار النيرة . رغم كل هذا تظل الذكريات عطرة عميقة الجذور .. تسحب خلفها جملة من المواقف والانطلاقات وقد تمزق هويات ..ونجاحات ..وفشل في انجاز ما كان يمكن انجازه لو سارت الرياح مع اشرعة السفن بمحبة وانسجام بعيدا عن التحدي.
ما زلت.. اذكر.. تعلمتُ منكَ ايتها الام الطيبة (ام حبيب) المتواضعة الرقيقة الحنون ..تعلمت من كلماتك البسيطة كيف اواجه الاحزان واتحدى الظلم . وكانت كلماتك الهادئة ..دروساً ..ايماءات ذكية يندر ان تتحلى بها امرأة لا تجيد القراءة والكتابة .. ولكنها تحمل في طيات فكرها امثلة ومعتقدات .. وتجارب مرت بها ونثرت ازهارها على ارضية خصبة ..ولود تحمي كيان الاسرة ..وتحمل نزوات الاب وانفعالاته.. والاخطاء التي رافقت خطاه في بعض المناسبات .. لاسيما في مجال التربية والحرص على تماسك ضلوع الاسرة . وضمان مستقبل الابناء رغم الظروف الصعبة التي وقعت فيها احياناً في اطار الايام . العابسة ..والتطورات الجامحة والانتقالات غير المتوقعة.. لقد كان اصراراً رائعاً ..يجب ان يحصل كل الابناء على الشهادات العليا.. واحتواء الالام وتراجع الامكانيات المادية .. والمغالاة في النفقات الاجتماعية والدراسية .. وكان لها ما ارادت.
انني اتذكر ..دموعك النقية ..و انفاسك اللاهثة وانت تقطعين الدروب .. وتحملين العذابات لكي تصلي الى المعتقل الذي يحتويني والمئات من رفاقي في اجواء صعبة .. لم يردعك مطر مدرار .. ولا شمس قاسية ولا برد صارم.. من الانتقال عبر مئات الكيلومترات .لتحملي بعض ما كنت تعتقدين اني بحاجة اليه . وما يحمل في ثناياه الفرح.. والتلذذ بما تصنعه يداكِ الحنونتان .. وانفاسك الطيبة كنت احبس مشاعري وانا اراكِ تذرفين الدموع الغزيرة. وانت تذكرينني بما تبقى من اشهر واسابيع .. اغادر فيها الاسوار .. واعود لحياتي الطبيعية.
ايتها الدمعة النقية.. والوجه المدور الصامت والحضن المعتق بالسمرة والكلمات الشفافة لقد كنت نموذجاً رائعاَ لكل الامهات اللواتي صنعن المستحيل ورافقنَ مسيرات الابناء في ايام الشدائد والمحن.. وصنعتن اكاليل المستقبل ورسمتن طريق الامجاد والتضحيات ..
اليوم عيدكِ .. ايتها المرأة الصابرة .. السمراء الجميلة الحنون.. مدين لك بأشياء كثيرة لا يمكن ان تحصى .. لقد تعلمت منك الصبر .. والتفاني وحب الاخرين ..والانتصار للمظلومين .. والعمل الدؤوب ..من اجل غد افضل
الف قبلة على قبرك الجليل .. الف باقة ورد على الشمائل .. والخلق الرفيع.. الف همسة ..وترتيلة.. لذكرياتك التي لا يمكن ان تنسى.









