احمد الشيخ ماجد
طريق مظلم, ضيّق, يسوده النفعيون, والمرتزقة, وبنفس الوقت إنه حالك السواد, تبددت الاضواء منه, وغابت مسالك النور عنه, إنه مجتمعنا, هكذا اضحى خراباً جراء الحروب, وتوالي الهموم والاحزان, بعد ماكان منتجاً للقيم الجميلة, والاخلاق النزيهة التي ينشدها الاخيار في العالم. انتشر الخراب الاجتماعي كوباء قاتل في كل خلايانا, اصبحنا لانعبأ لقيمنا الموروثة, ولا للاخلاق التي يأمر بها الدين الذي ننتمي له, وصار واحدنا لايفكر إلا بأمتلاء جيوبه, وقد تركنا القلوب, وانشغلنا بالجيوب. الدماء سائدة في واقعنا, القتل, العنصريّة, الطائفيّة, والفساد, وكذلك غياب الإنسانيّة. وهذا ليس على وجه التعميم, وعندي دليل على ذلك. ففي خضم تساؤلنا الابدي المعروف : “لماذا يدفعنا الواقع إلى كل هذه العتمة؟” نجد الجواب واضحاً مثل شمس العراق الحارقة, الجواب حينما تلتقي بعراقي “اصلي” كما اسميه دائماً, ذلك الذي يحتفظ بإنسانيته, ومبادئه الاصيلة, هو من الناس الذين كتموا انفاسهم في خضم هذه الفوضى العارمة منتظرين خيط الفجر الذي من خلاله يبصرون النور في واقعهم الاجتماعي المزري, هم يحاولون ان ينيروا للآخرين, ولكن انّى لهم, وقد صارت الفضائل مقياساً للانسان “الغشيم” الذي يفهم الحياة عبارة عن “غلب” . وهم على الرغم من كل هذا, يشكلون نفحة الامل في واقعنا, ففي وجودهم, كأنك تسمع صراخهم الذي يبعث التفاؤل في النفس : اصبروا لابد ان تجدوا نجمة في سمائكم المتلبدة, وقبساً من نور ينتظركم بعد ما غدت كل مفاصل الحياة مظلمة, ومن ضمنها التي تفترض ان تكون إنسانية بحتة, مثل التدريس, والمسؤولية الاجتماعية, وكذلك الطب, هذا العمل الذي صار جل اصحابه مجرمين بامتياز, لايكترثون بما يكابده الفقراء في هذا الوطن, الأهم عندهم, هو توسيع ثرواتهم, وكسب اكبر عدد ممكن من الاموال, حتى صار العراقي يدعو الله ان يرزقه “الصحة والعافية” ليس خشية من المرض, بل من الاطباء الذين يأخذون “ولية” على المريض المسكين. هؤلاء ايضاً, ليسوا كلهم سيئين, فلا بد ان يخرج منهم الضوء, وهو العراقي “الاصلي” . مثلاً : هناك طبيب, إذا تكلمت عنه ربما لاتصدقون, وتقولون ان هذا يتكلم بمثالية عالية, بعيداً عن واقعنا الطبي المتردي.. ولكن صدقوني, ان هذا الطبيب يأخذ “الكشفيّة” من المريض “ربع دينار” وهو مصداق للكلمة المعروفة : (لو خُليت قُلِبت). هو الذي يفك من التشاؤم المفرط المتغلب على ارواحنا المعذبة التي انهكتها اوضاع العراق, وحروبه, وتقلباته على مدى الدهر. هو من يجعلنا نردّد بصوت عالٍ : “الدنيا بعدها بخير, وبيها خيرين”. يتكلم الفقراء فيما بينهم, وكأنهم حصلوا على الحلم المنشود الذي يرومون إليه طوال اعمارهم, وهو وجود من يشعر بآلامهم الماديّة, يأتي احدهم إلى صاحبه, ويقول : “شفت هذا الطبيب, ياخذ بس ربع عالكشفيّة, والله خيّر ويحب الفقره!”. اتعرفون ان هذا الطبيب, هو من يمثل الحق الآن. اتعرفون انه يمتاز عن الحكومة العراقية بكثير فيمايقدمه. فهم مشغولون بصراع “الكراسي, والطائفية” وتركوا العراقي تحت وطأة الفقر وحمم النيران.. هذا النموذج هو حلمنا, أي والله بعد ماشعرنا ان الناس الخيّرين, ومحبي الفضائل آيلون إلى الانحدار مع الباقين في مستنقع الخراب الاجتماعي الذي طال العراقيين في السنوات السابقة…اتمنى ان يحذو الاطباء (العراقيين) حذو هذا الطبيب الذي ينتشل المرضى من آلامهم المضنية باسعار زهيدة واضعاً امامه مايعانيه الفقراء بسبب اجور الاطباء التي تفتك بالناس, وتجعلهم يئنون تحت وطأة المرض, وبالطبع, لانريد منهم ان يأخذوا “ربع” فهذا اجحاف بحقهم, والطبيب المذكور حينما جعل اسعاره هكذا, فهذه ردة فعل على غلاء الاطباء, وتعاملهم اللانساني مع ابناء شعبهم, لذلك نتمنى منهم ان يتساهلوا مع الناس, سيما الفقراء فهم احباب الله!









