د. عبدالله راضي حسين
لجأ في أحد الأيام ( جحا ) إلى ( جوبة بيع الأغنام ) ، وجلس على صخرة مرتفعة بعض الشيء قريبة من الجوبة ، وأخذ يتفرس في الأغنام من حيث تركيبتها البدنية والصوفية ( ولا نقصد المذهب الصوفي الفلسفي ) ، ووضع يده اليمنى تحت حنكه من أجل التركيز . جاءه صديقه ( أبو العجب ) بعد أن فتش عنه في كل مكان ، فتم إبلاغه بأنه ذهب إلى جوبة بيع الأغنام لأمر يخصه . سأل ( أبو العجب ) صديقه الحميم الحكيم : ما بالك أراك يوما في سوق القصابين ، ويوما آخر في ( جوبة بيع الأغنام ) ؟ ضحك جحا وأجاب صديقه ( إن شر البلية ما يضحك ) ، وقال له أن هنالك مثل شائع ( أعطني اليوم صوفا ، وغدا سأعطيك خروفا ) . لكن ما أفكر به إن غدا طائر غريب بعيد سيأتي مع ظروف جديدة ، وحسب المثل الشعبي القائل ( أشبعني اليوم وموتني باجر ) ، أو كما قال الشاعر الرائع ( بشار بن برد ) في احد قصائده الفلسفية :
أرجو غدا وغد كحاملة
في الحي لا يدرون ما تلد ( وهذا الكلام قبل اكتشاف السونار والانترنيت حيث أصبح كل شيء واضحا للأطباء والشعراء والكتاب) . وعليه نقول ، نظرا للعوامل الأساسية التي اكتشفت ظهور الطبقات الرأسمالية وظهور المدن والحضارات ، وتقدم العلم والطب من جهة ، وإزاء الكثرة العددية للناس وظلم الأوضاع الاجتماعية من جهة أخرى ، بدأ الإنسان يشعر بفرديته ، وبأن كيانه ينفك عن الكل وأصبح مسؤولا عن تحقيق ذاته متناسيا الأخلاق والأعراف الصحيحة التي تشكل منهجا أدبيا وفكريا للحياة ، وكأن البناء الفردي هو الذي دفع إلى هذا الإحساس . وذلك ناتج عن عدم وجود العدالة القانونية والإنصاف الاجتماعي ، بحيث أخذ الفرد يشعر بالانسحاق ولا يعرف اليقين ، وظل يبحث عنه ولم يكن له بد من استبدال ( الصوف بالخروف ) ، أي الإيمان بالآنية الزمانية بدلا من الأحلام والطمع في المستقبل . وعليه ظهرت حكمة بالتضاد من الجشع الفردي تقول : ” الموت دواء للأطماع الجامحة ” . وبما أن الموت فقد طابع الحل النموذجي لأزمة الإنسان ، تحول الإنسان إلى النقيض ، بمعنى أنه أصبح أزمة في حد ذاته ، وأخذ يواجه الجلادين والمتسلطين بدون وجه حق ، وبدأت الحكمة الشعبية تأخذ شكل العداء وتنتقم ممن يتهم الناس بـ ( البلاهة ) ، وعلى الإنسان أن يختار العقلاء والمهنيين لقيادته ، وحسب المقولة الشعبية ( إبن الكبة طلع للقمة ، وابن اسم الله أخذه الله ) ، رغم أن الواقع اليوم أفرز الكثير ممن يدعون بإسم الله زورا وبهتانا . ضحك ( أبو العجب ) مستغربا من كلام ( جحا ) وقال له : أراك اليوم تتكلم بالفلسفة الشعبية ، هل هذا بتأثير من ( الصوف أو الغنم ) ؟ ابتسم جحا وقال : صديقي العزيز ، كنت قبل سنوات في بلدة ( الواق واق ) المجاورة للعراق ، ورأيت المرشحين لانتخابات مجلس النواب يوزعون ” بطانيات صوف ” للناخبين ، ويعدونهم بإعطاء ( الخروف ) بعد الفوز في الانتخابات ، وبالتالي لا النائب ولا خرفانه ، إضافة إلى أولئك الفائزين الذين وعدوا الناخبين بـ ( الكمرة والربيع ) ، وإذا بكل ذلك ينقلب إلى تحويل أرصدة دولارية إلى الخارج ، ومفخخات وأحزمة ناسفة ، وتعطيل كل القوانين التي تخدم الإنسان في بلاد ” الواق واق ” . وظل الناس يتفاعلون مع المقولة ( تيتي تيتي مثل ما رحتي إجيتي ! ) ، وينطبق المثل الشعبي على الناخب المكرود الذي عاش الأمل في الدورتين الانتخابيتين الماضيتين:
( إذا عاش أكلته الديدان ، وإن مات لا يحصل على أكفان )والعاقل يفهم.









