علي علي
لم يعد جديدا ولاغريبا على مسامع العراقيين مايصرح به مسؤولون، هم في حقيقة الأمر بعيدون كل البعد عما تحمله مفردة المسؤولية من معانٍ، لها ثقل في موازين الواجبات والحسابات الدنيوية -علاوة على الآخروية- والأخلاقية والمهنية. بل أن بعضهم يتقلب في تصريحاته بازدواجية لافتة لنظر القاصي والداني، تنم على عدم الشعور بعظم المسؤولية ليس بالفعل فقط، بل (گول وفعل). وقد شهد عصر الديمقراطية التي مازال البعض يطلق عليها في العراق الـ (فتيّة) على الرغم من مرور أكثر من عقد من الزمن على دخولها البلاد، ومازال يشهد تبوء شخوص مراكز متقدمة ومناصب عليا في سدة الحكم، تقع على عاتقهم مسؤولية جمة في إدارة جانب حساس من مفاصل الدولة، يكون لما ينطقونه ويتلفظون به في اجتماعاتهم، او أمام وسائل الإعلام مسؤولية لاتقل عن مسؤولية أفعالهم ونتائجها وآثارها. وأول هذه المناصب رئاسة مجلس النواب، ولا أظن أن منصبا أكثر حساسية في البلد من منصب يحمل هموم أكثر من ثلاثين مليون نسمة، يعيشون تحت وطأة تركة ثقيلة من حكومات سابقة، لاسيما حكومة كانت تمثل نظاما دكتاتوريا قمعيا دمويا، بأزلامه وحزبه وأدوات الظلم المستخدمة إبان حكمه. إذ تكون رئاسة مجلس كهذا ذات مسؤولية مضاعفة ليست كمجالس باقي بلدان العالم.
وتماشيا مع مثلنا العراقي القائل: (إذا حچيت خلّي شاهدك حاضر) سأذكر شاهدا حيا و (تازه) لما تقدم من مقالي، إذ في تصريح لرئيس مجلس النواب أسامة النجيفي قال مانصه: (إن جريمة حلبچة تظهر جليا مخاطر التفرد بالسلطة وعدم احترام القوانين) أقول للنجيفي: (رحم الله والديك) على هذا التصريح، فأنت أول العارفين بالقوانين وقدسية احترامها ومسؤولية إقرارها وسنها وتشريعها ولكن! ماذا نسمي عمليات قراءات القوانين وإرجاءاتها وتأجيلاتها المتكررة، أو ردها الى مجلس رئاسة الوزراء او رئاسة الجمهورية؟ وماذا نطلق على تقاذفها من فصل تشريعي الى ثانٍ، ومن دورة الى أخرى؟ ولو أردت عد القوانين المؤجلة والمغيبة والتي اتخذت موقعا في الرفوف العليا، للزم الأمر أكثر من عمود، بل تطلب صفحات كثيرة يضيق بها عدد واحد من صفحتنا هذه.
وأذكر مثلا آخر من أقوال النجيفي الأخيرة في استذكار جريمة حلبچة، حيث عبر عن حزنه العميق واسفه البالغ على ما اريق من دماء العراقيين كما قال: (سواء في ظل النظم السابقة او التي لا تزال تراق اليوم في ظل الاحتدامات والصراعات السياسية والفكرية والعقائدية، ليثقل كاهل العراق منذ عقود وحتى هذه اللحظة بفاتورة قاسية دفعها من اثمن ارصدته، وانفس مدخراته، وهي دماء ابنائه الزكية الطاهرة).
هؤلاء الذين تتظلم باسمهم يانجيفي يناشدونك: من المتسبب بتحرير هذه الفاتورة؟ ومن الذي يوصد الأبواب أمام تسهيل إقرار القوانين وتشريعها وإقرارها لتمنع بالتالي تحرير فواتير أخرى يدفعها المواطن؟ هذه أسئلة حري بك يانجيفي ان توجهها الى نفسك، وتجيب عليها إن كنت تتكلم عن المسؤولية وتدعي الحرص على مصلحة البلاد ودماء العباد.





