كتاب الحقيقة

شعوذة فضائية

حيدر ناشي آل دبس

في مظهر من مظاهر الغرابة التي تمر في واقعنا الحالي ، حيث شيوع قيم الخرافة والدجل في البنية الاجتماعية ، فأصبح التسويق لدعاة الشعوذة عبر وسائل الاعلام المختلفة تجارة رائجة ، تدر اموالاً للقائمين على هذه المنابر ، وفي متابعة بسيطة لأحد برامج المشعوذين والتي تبثها بعض القنوات التلفزيونية ، نجد ان الطرق المستخدمة في ايهام المشاهدين بخزعبلاتهم غامضة نوعاً ما ، ويبذل هذا الشخص جهداً في سبيل الوصول لعقل المتابع ، فالمشعوذ يكون طليق اللسان ويتحدث بقضايا عمومية هي جزء من معاناة مجتمع مرت عليه نكبات سياسية واقتصادية اجتماعية ، فالمشتركات لشعبنا في المعاناة واحدة وان اختلفت الطرق والنسب لكن النتيجة واحدة ، فيستغل هذا الدجال معاناة الناس البسطاء للرقص عليها وترويج بضاعته ، فيبدأ بالسؤال عن اسم الانسان المعني واسم امه ، وهو سؤال ليس فيه اي مغزى او معنى سوى ادخال هذا او هذه في دوامته والدوران فيها ، ثم السؤال عن العمر وهذا له دلالة بمعرفة المتصل لأي جيل ينتمي وما هي الاحداث التي عايشها ، والنتائج التي القت بظلالها على نفسيته ، وهذا يدل على ان المشعوذ له معرفة بعلوم النفس والمجتمع والتاريخ ، ومتابع حاذق للأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية ، وكذلك يتمتع بقدر من الحرفية و اسلوبه في الاقناع لا بأس به ، هذه المواصفات التي يتمتع بها الدجال اهلته حتى يتمكن من هذه المهنة ويتكسّب من خلالها ، ولابد من الاشارة الى الجانب الديني الذي ارتكز عليه هذا المشعوذ ، فيستغل الدين بادعائه ، هذا المهرج يستطيع بوسائله وطرقه الملتوية ان يفصّل ما يريد وكيفما شاء ويصف لهم وصفات تفوق التصور بغرابتها و عجائبيتها ، فتبعدهم عن التفكير العلمي و الحلول الناجعة ، هذه الوسائل التي انبرى لها عدد من المحتالين و النصابين الذين وجدوا في غياب الوعي ضالتهم ليتربحوا من خلاله ، فهذه الظاهرة تستحق التوقف عندها و تفكيكها و تحليلها و ربطها بما يتخلل مجتمعنا من افكار وجدت المناخ المناسب لانتشارها ، فسيطرت قوى الاسلام السياسي على المنابر السياسية و المجتمعيه اعطت المساحة الواسعة لازدهار هذه السفاسف ، ان هذه القوى و عبر ايدلوجيتها المنغمسة في الجهل قوقعت فكر الانسان العراقي و جعلت البسطاء من الناس ممسوخي التفكير ، و الادهى من ذلك ان القانون العراقي يحرمّ هذه السلوكيات و يدخلها في خانة النصب و الاحتيال ، لكن هذا القانون غير مفعّل بفضل سياسية المسيطرين على سلطة القرار في الدولة ، فيدعمون هكذا توجهات لا عقلانية و في ذلك ضمانةٌ لبقاء الانسان العراقي مسلوب الارادة و التفكير مما يعني بقاءهم اطول فترة ممكنة في دفة الحكم ، لذلك على رجال القانون المهنيين والحريصين على تطور المسيرة القانونية في البلد ان يأخذوا دورهم في الضغط لتفعيل فقرات القانون المعطلة وخصوصاً في هذا الجانب ، وعلى مثقفي العراق ان يتصدوا لهذا الانحطاط وانتشال ما يمكن انقاذه من بقايا العقول ، ودحض كل هذه التسلكات عبر محاكاة الواقع والخوض في غماره وطرح البدائل الصحيحة التي تحافظ على قيمة الانسان كحامل لسمة التفكير العقلاني ، و لا بد من ذكر اهمية التعليم في بلورة فكر علمي متحرر من شبح الدجل و الشعوذة ، فسيرورة التعليم يجب ان تأخذ مجالها لتشذيب العقول مما علق فيها من شوائب حان وقت ازالتها .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان