نعيم عبد مهلهل
لا اعرف شخصيا الصحفي والأستاذ الجامعي الشهيد محمد بديوي الشمري الذي قتل بدم بارد من قبل ضابط شاب نزق ومتهور لمجرد حدوث مشادة كلامية ، والصور التي أظهرتها الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي لهذا القاتل ، تبين لنا إن رتبة الملازم الأول كبيرة عليه وربما هو من أقارب أولياء النعمة ليمنوه الرتب تحت المسمى الأسطوري في منح الرتب والذي اسمه ( الدمج ). لا اعرف الضحية ولكني بعد موته ورؤية صورته في الفيس بوك وهو يحتضن أولاده الثلاثة تحت مظلة شمسية وأكبرهم لايتجاوز الـ15 عاما شعرت بغصة وألم وحزن مكتوم أن يموت المبدع في بلادي في هكذا تراجيدية بائسة تأتي من رعونة أحدهم بنزوة غرور الشباب والرتبة وهو لايعلم انه يقتل مبدعا وظاهرة حضارية تنويرية يحتاجه البلد أكثر من حاجته لهذا النزق الذي افرغ رصاصة في رأس محمد بديوي وهو يجهض بذلك على رؤية أخرى من الرؤى الجميلة للطيف الثقافي العراقي الذي يغتاله وباستمرار الكاتم والملثم والمفخخة وأخيرا رعونة بعض الذين نتلمس منهم حماية المواطن وليس قتله. مات الدكتور والإعلامي محمد بديوي ، وفارقت مدينة العزيزية واحدا من أبنائها الذين كانت تتباهى به، لأنه كان يمثل وجهها الحضاري في العاصمة ، وشيعته شوارع المدينة ، ليذهب مع الركب المغدور الذي سبقه وبذلك يؤسس هؤلاء المغدورين ظلما أفواجا من شهداء الكلمة الحرة. مات الشهيد محمد بديوي، وربما هو أول مبدع يمثل موته لصورة من ردود الأفعال والتساؤلات وإدخال هذا الموت المأساوي في التقولات والحسابات وأوصله البعض الى ضفاف حمى الحملات الانتخابية ، وربما ضمن هذا السياق تم تفسير التدخل الحاسم لرئيس الوزراء من اجل تسليم الجاني ثم تم تطوير الأمر عبر مقالات ما وصفحات التواصل الاجتماعي الى محاولة جره الى ساحة الصراع القومي بين العرب والأكراد كون القاتل كرديا والمقتول عربيا ،مستغلين توتر العلاقة بين حكومة المركز وحكومة الإقليم في قضيتي تصدير نفط الإقليم والموازنة العامة. وأظن إن الحكماء تدخلوا في هذا من العرب والكرد وبينوا إن الأمرَ ينبغي أن لا يصل الى تلك الحدود من الأفكار المريضة مادام القانون هو الفصل في مثل هذا الأمر ولا شأن للسياسة بالحوادث تلك .فلو اتخذت جريمة الاغتيال ذريعة لتفتيت الوحدة العراقية فلسوف تشتعل البلاد نارا وحطبا ومناطق متنازع عليها ، فكان أن سمعت تصريحا للحكومة يبتعد عن هذا الاحتقان بطريقة فسر فيها حماس رئيس الوزراء أثناء تواجده للإشراف على تسلم قاتل الشهيد بديوي انه بداية إعلان حرب ضد تواجد الكرد في بغداد ،والذي تمثله ربما الأفواج الرئاسية ، وفي هذا الاتجاه لتهدئة تلك الفورة صرح السيد المالكي ليلة أمس ما معناه إن هذا الحادث الإجرامي لاشأن له بالعلاقة التاريخية بين الإقليم والوطن الأم والقضاء في بغداد هو الفيصل في ذلك .وظهر في تصريح السيد برهم صالح ولقاء حرم الرئيس خيرو إبراهيم مع السيد عمار الحكيم وكذلك تصريح كبير مستشاري الرئيس الطلباني الدكتور عبد اللطيف حمال رشيد ، ما يؤكد رغبة الجميع على التعامل مع الحدث كفعل إجرامي يترك للقضاء البت فيه. وليس له ان يقوض الوحدة العراقية وتماسكها. وسط فوضى التصريحات والتجاذب هُدر دم الدكتور الشهيد محمد بديوي ، ومن خسره فقط هو العراق وأصدقاءه وعائلته ، فلا مجال لتلك ( البوزات ) التي أظهرتها الشاشات للبعض في المتاجرة بهذا الموت الدموي ومحاولته لتبني هذا الحادث ليثبت وطنيته وليقول للعراقيين انا المرشح الجديد للانتخابات القادمة . الخسارة إننا فقدنا إنسانا مبدعا ، وقبله فقدنا مبدعين كثر ، وغدا سنفقد بذات القدرية وربما الرعونة ، لكن الأمل في أن يكون هذا الموت الحزين آخر موت في الجسد الصحفي والمثقف لتعيش الكلمة في حلم أن تكون الحمامة البيضاء التي رسمها بيكاسو وليس الديناميت الذي اخترعه نوبل فندم على ذلك ……..!





