علي علي
(أعوذ بالله منك يالساني).. عبارة كان جدي يرددها حين كنا صغارا، وعلى وجه التحديد عندما كنا (ندوس ببطنه)..! يومها كان رحمه الله يسايسنا ويتبع معنا كل أساليب الترضية ولو على حساب راحته، ذلك أنه يدرك تماما أننا -حينها- (زعاطيط). أذكر من ذلك العهد أياما في فصل الصيف، وكان يحلو له دوما افتراش مكان تحت شجرة وارفة الظل في حديقة بيتنا، ليقضي تحتها قيلولة هو بأمس الحاجة اليها في عمره الذي ناهز التسعين، لكننا لم نكن نعي معنى القيلولة وأهميتها لمن هو في عمره، فكنا نباغته ونرش الحديقة ماءً حد الغرق، وحين يأتي اليها يصعب عليه دخولها، فيتأفأف و (يدردم) بكلمات لم نكن نفهم (معناها) ويعود أدراجه، فيما نحن نضحك ونقهقه ملء فمنا بشقاوة هي في حقيقة الأمر بريئة، وأظنه كان يعذرنا على فعلتنا تلك كوننا آنذاك (زعاطيط). وكنا نقطع أغصان الشجرة التي هيأ مكانا له تحتها مسبقا ليستظل بها، آملا ان يستغرق في نوم عميق يريحه من التعب المتراكم لديه من العقود التسعة من عمره. وكنا نتمادى في مشاكساتنا حدا يغيظه، إذ كنا نرمي الأغصان المقطوعة في باحة الدار كي تضايقه في مشيه، ولم نكن نرى رد فعل منه غير التسامح والعفو، فهو حتما يرانا كرؤيته الأولى (زعاطيط) وغير مسؤولين عن (رعونة) مانتصرف به.
لقد تذكرت جدي رحمه الله وما كنا نفعله معه في طفولتنا، بعد قراءتي بالأمس خبرا نشر في المواقع الاخبارية العراقية. وقطعا لم يكن تذكري من باب المصادفة، فحتما هناك ربط بين ماقرأت أمس، وبين أفعالنا التي كانت تغيظ جدي. إذ أن الخبر هو اتخاذ أعضاء مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، قرارا بتقديم استقالتهم بصورة جماعية الى رئيس مجلس المفوضين.
من المؤكد أن قرارا كهذا في وقت يسبق موعد الانتخابات بأربعة وثلاثين يوما، يعد قرارا خطيرا لو نفذه أعضاء المفوضية، فانه سيلقي بظلاله الثقيلة على العراق برمته، وسيدفع العراقيون أثمانا فوق ما هم يدفعونه اليوم أضعافا مضاعفة. وأظن هذا مايرمي اليه البعض من الذين يحلو لهم تقهقر الانتخابات وتراجعها، وقطعا وراء هذا هدف أبعد ومأرب أعمق، وغاية سبق أن حاولوا الوصول اليها بشتى السبل. أما سبب تقديم أعضاء المفوضية استقالتهم، فهو يعود الى تدخل السلطة التشريعية بعمل السلطة القضائية، حيث ورد في قانون المفوضية المرقم 45 في المادة الثامنة وتحديدا الفقرة الثالثة منها، فيما يخص المرشحين مانصه: “إن يكون حسن السيرة والسلوك وغير محكوم بجريمة مخلة بالشرف”. وأظن هذا واضحا لايقبل اللبس لكل عراقي شريف. ويكون الإجراء السليم من المفوضية هو حجب من تشمله هذه الفقرة من الترشيح، حفاظا على مستقبل العراق والعراقيين.
أما أن يضغط رئيس السلطة التشريعية على المفوضية بالإيعاز لها أن لاتمتثل الى أحكام هذه الفقرة، فهو الذي ذكرني بمقولة جدي لنا حين كنا (زعاطيط) نعم (زعاطيط) وكما لم يجد جدي غير عبارته تلك، كذلك لاأجد اليوم عبارة غيرها، أكررها وأقولها بحق ما يصدر من السلطة التشريعية وأخص تحديدا رئيسها أسامة النجيفي… أعوذ بالله منك يالساني..!.
aliali6212g@gmail.com





