حازم لعيبي
بالتأكيد ليس هنالك شعب أفضل من الاخر في عالمنا هذا لكن ميزة العراقي يسبق الدُومْ . و الدُومْ على ما نعتقد صوت الايقاع الناتج عن الضرب على الطبول . و في الغناء و الموسيقى دائماً ما يستعان بالايقاعات أو الطبول لمرافقة الآلات الموسيقية الأخرى لضبط نظام الموسيقى و الغناء و التلحين ، و نفس الملاحظة أعلاه أكدتها المطربة الإماراتية أحلام في أحد برامج المسابقات التلفزيونية حيث قالت في معرض حديثها عن أحد المواهب الغنائية العراقية : إن المطرب العراقي يغني قبل الدُومْ والموسيقى و الايقاعات تتبعه ” المطربة أحلام واحدة ممن يجيدون الغناء العراقي و تدربت على ايقاعاته و مقاماته و عارفة به”. معنى هذا ان الآلات الموسيقية و الجمل اللحنية المضبوطة بالدُومْ لا تتمكن من المطرب و المغني العراقي ليس خروجاً عن النسق الموسيقي أو نشازاً بل هي محاولة في التسابق و التنافس معه ، و غالباً ما يسبق الصوت البشري الغنائي الطربي الدًُومْ و ملحقاته.
و أنا أستمع للغناء العراقي بتركيز و متعة و تحت سلطة نفس الملاحظة إكتشفت صحتها بدرجات و مستويات كبيرة و خصوصاً الغناء الريفي الجنوبي متمثلاً بالموال أو حتى البسته و المرتبط به و بمقاماته ، و في تحليل الظاهرة انما تستمر الموسيقى بملاحقة الصوت الغنائي البشري العراقي و لا يمكن لقوة الدُومْ و حتى تطورها (التكنلوجي) و تعددها أن تقع بعد الغناء و كأن إرادة سيطرة و قيادة و سَبْق تتحتكم بالظاهرة و قد لاحظت ذلك بدقة في مسابقة أحلى صوت أيضاً .
إن ظاهرة ال”قَبْلَ” ربما تتعلق بسيكولوجية الفرد العراقي الجنوبي بشكل خاص ، فإنه غالباً ما يحاول ان يستبق الحدث بتعاملاته و أفعاله حتى اليومية منها ، و تحليل الظاهرة هنا تشبه الى حد كبير عداء يتسابق مع ذاته في مضمار و يقع تحت شعور مؤكد في الوصول الى خط النهاية قبلها و كذلك قبل من يحيطه من ذوات أخرى.
و تتجلى هذه الملاحظة أو الظاهرة في قضايا الريادة في الشعر و الأدب و الفنون التشكيلية ، و كذلك في العلوم و التكنولوجيا و الرياضة ، كذلك نلاحظ هذا في ظواهر اجتماعية عامة كثيرة كأنما يبتغي الفرد إنهاء إنجازه قبل الجميع مسيطراً عما حوله بلا وعيه لكي يصل أولاً (طبعاً لا علاقة هنا بقولة في العجلة الندامة)
لذلك ينجح العقل العراقي الجنوبي في الوصول الى ما يتأخر الاخر عن الوصول اليه. نعم ، العقل الجنوبي يتقدم الآخر ” هنالك أمثلة كثيرة عن ذلك” ، كقبول الاخر و الدفاع عن حقوق المرأة و قيم المدنية و الرغبة بالتعلم و التعايش السلمي و حتى فنون العشق يتقبل بها قبل غيره، و ربما ينطبق هذا مع ظواهر مثل التجديد و الابتكار و الاختراع و الاكتشاف أيضاً، و غالباً ما ظهرت من تلك الأماكن او من الأماكن المرتبطة بها باللاوعي اسماء ريادة و إنجاز و السبب “تاريخياً”برأينا سباق المدنية و الحضارة الأقدم في تلك الأماكن و ليس من اللافت ان تتمظهر في اللاوعي الجمعي عند سكان تلك المناطق و من يرتبط بها تاريخياً.
و السؤال هل تنسحب ظاهرة قبل الدوُمْ في الصراع الوجودي و محاولة الانسان المستديمة في البحث عن الخلود لذلك يدق جرس موته قَبْلَ الدُومْ ، و لا يبالي بالفناء السابق لأوانه بسبب الاعتقاد المزروع في اللاوعي الجمعي انما هناك بقاء أبدي ؟؟





