حوارات وتحقيقات

بدايات الحركة العمالية في العراق ودور الحزب الشيوعي العراقي

في الناصرية كان نشاط يوسف سلمان (فهد) تنظيم الشباب الثوري وضمهم الى العمل الجماهيري وقد التفت حوله مجموعة منهم: عبدالجبار حسون جار الله الذي كان يترأس الحزب الوطني العراقي في الناصرية واخوه عبد الكريم حسون وعبد الرحمن داود وعبد الجبار غفوري وحميد مجيد دبه وعبد الوهاب وضياء شكاره المدرس في ثانوية المدينة والشاعر طالب فليح وانضم للمجموعة مهدي وهو الذي انتقل من البصرة ليفتتح مع يوسف سلمان مكتبة لبيع الكتب والصحف العام 1929.

عبد السيد مهدي الحسيني

 وقد لعبت هذه المجموعة دورا كبيراً في تحريك فرع الحزب الوطني العراقي ومد نفوذه كثيرا في المدن واريافها وبرز دوره بوجه خاص بالإعداد لإضراب عام في الناصرية لتأييد الإضراب العام الذي شنته بغداد ضد قانون رسوم البلديات وكان الإعداد للإضراب يجري بإشراف يوسف سلمان في ديوان عبد الجبار حسون جار الله وقد أضربت معظم متاجر المدينة ومقاهيها وخرجت الجماهير في تظاهرات اصطدمت بالشرطة وجرت بينهما مناوشات بالعصي والحجارة واستخدم البوليس الرصاص لتفريق المتظاهرين وقد سقط اثنان من المتظاهرين قتلى وجرح عدد اخر واعتقل البعض… بعد العام في 13 / كانون1 / 1932 شهدت شوارع الناصرية في المساء توزيع مناشير كتبت على ورق احمر وفي أعلاها شعار(يا عمال العالم اتحدوا) وشعار(عاش اتحاد جمهوريات العمال والفلاحين في البلاد العربية) وموقع بـ (عامل شيوعي) وجاء فيها:- ايها العمال ان الشوارع تغص بالعاطلين وليس لدى نسائهم وأطفالهم ما يسد الرمق فهل فكرت الحكومة بمساعدتهم في مثل هذا البرد القارص؟ لاشيء من هذا قد حدث فالحكومة ليست سوى عصابة معادية للشعب، ايها العمال، للشعب حقوق لا يمكن ان يؤمنها الا بالقوة، هذا ما يعلمنا اياه التاريخ، لا احد يشعر بالبؤس الا العامل نفسه، ولا احد يحس بالم الجوع الا الجائع نفسه، فلماذا نلوم الذين يأكلون ثمار عملنا ونحن الذين نشجعهم على نهبها؟ لا يخدعكم اسم هذا او ذاك لانه من الأعيان او الأغنياء او لأنه من عائلة كبيرة… ان كل الرذائل تأتي من العوائل الكبيرة التي تزعم انها شريفة بينما لا شريف الا العمل وليس الشريف الا العامل والفلاح. ايها الرفاق: كونوا شجعانا، اننا نناضل من اجل كرامتنا وحياتنا ومن اجل خير الأجيال القادمة، فالى الأمام ايها العمال، الى الأمام في سبيل العمل المثمر والحرية والرفاه. أثار توزيع البيان ضجة في المدينة وفي الليلة الثانية عادت البيانات الحمراء الى الظهور ثانية. فهرعت قوات البوليس وداهمت بعض الدور واعتقلت أعضاء الهيئة الإدارية للحزب الوطني العراقي وغيرهم من العناصر المعروفة في نشاطها الوطني وكان من بين المعتقلين ضياء شكاره وسليم الحريري ومحمد حسن القطيفي. وزعت المناشير على الحشود في محطات القطار في السماوة والديوانية حيث صادف جماهير غفيرة متوجهة الى زيارة كربلاء. ومن الطريف ان البيانات كانت توضع في داخل قدور الطبخ وعند وصولها الى كربلاء توزع بين الناس وفي حملة للبوليس اعتقل الكثير ومن ضمنهم يوسف سلمان وبالضغط على المتصرف أطلق سراح الأغلبية وبقي يوسف سلمان الذي استغل الاعتقال ليعلن انه ليس له علاقة بالحزب الوطني العراقي وانما هو شيوعي وقد ثقف وشرح للمحققين الشيوعية واستغل التحقيق كمنبر لنشر الأفكار الشيوعية وقد بين للمحققين ان المجتمع ينقسم الى طبقتين رأسماليين وكادحين فأحيل الموقوفون للمحكمة بتهمة التبشير للشيوعية وجيء من بغداد بموقوفين اخرين بالتهمة ذاتها وهم : احمد جمال الدين وعبد الحميد الخطيب وفي المحكمة دافع يوسف سلمان عن الشيوعية وكان الحاكم عبود الشالجي (رجل وطني مشهود له بالنزاهة) أفرج عن المتهمين وبضمنهم يوسف سلمان اذ لم يجد في قانون العقوبات البغدادي ما يحرم الشيوعية (ومن الجدير بالذكر ظل القاضي عبود الشالجي يحتفظ بموقفه الوطني وبفكره التقدمي وقد أصبح في الأربعينيات من قادة الحزب الوطني الديمقراطي).

ملاحظة: نرى ان هناك تداخلاً كبيراً بين بدايات الحركة العمالية في العراق وبدايات دخول الماركسية ونشوء الحزب الشيوعي العراقي، وهذا طبيعي لان الاثنين لهما الأهداف ذاتها ويعيشون الظروف والواقع الاجتماعي ذاته*.

رغم ان بغداد كانت السباقة الى التعرف على الفكر الاشتراكي والماركسي منه تحديدا كما رأينا من قبل الا ان النشاط للترويج والتنظيم الشيوعي قد تأخر فيها عن مثيله في الناصرية والبصرة. قد يعود هذا لافتقادها العنصر الديناميكي النشيط ذا الاحتكاك بالعمال والكادحين الذي يمكنه ان يستقطب حوله الشباب الثوري على غرار ما حدث في البصرة والناصرية ومع العناصر الماركسية من جماعة الرحال ظلت تواصل نشاطها ولم تبخل في تقديم معارفها للمنظمات العمالية النقابية وظلت نقاشاتهم نشطة في الصحافة وتحتفظ بحماستها وحيويتها والشباب الثوري الذي اخذ يبرز من بين الطلاب يحتك بهم ويبحث عن سبل مجدية في العمل السياسي واظهر استعداده للعمل وتقديم التضحيات في اكثر من مناسبة الا ان الخطوة التي يجب ان تتم هي تنظيم العناصر المبعثرة في منظمة جهادية مهيأة للعمل الثوري في اللحظات التي تتطلب العمل لم تتم وظلت العناصر الشيوعية تعمل بشكل فردي. “اصبحت مدرسة الصناعة واحدة من مراكز النشاط الشيوعي قبل وبعد تأسيس الحزب وقد أسست في العشرينيات لإعداد أيد عاملة ماهرة كان من مجموع طلابها البالغ عددهم 80 طالبا 17 طالبا منهم يعتنق الشيوعية او يتعاطف معها من بينهم حسن عباس كرباس احد مؤسسي الحزب و عبد الرحمن داود اول طباع للحزب وفداء شفيق وزكي سعيد وقد نشط الثلاثة لتكوين مركز شيوعي في ثكنة(الكرنتينة)* العسكرية في النصف الثاني من الثلاثينيات ونتيجة للكساد في الدول الرأسمالية اثر على العراق الذي يعتمد على الصادرات الزراعية والحيوانية جاءت اجراءات الحكومة وقوانينها لتزيد الأمور سوءاً ففي العام 1932 صدر قانون تسوية حقوق الأراضي رقم 50 وقانون اللزمة 51 لعام 1932 وقانون حقوق وواجبات الزراع رقم 28 لعام 1933 وكانت قد صدرت قبلها قوانين اخرى مكنت اثرياء المدن من وضع اليد على الكثير من الأراضي الزراعية باسم تطوير الزراعة ونصب المضخات وكانت حصيلة كل هذه القوانين ان جرد الفلاح من حق التصرف، ومنح شيوخ ووجهاء المدن واثرياؤها ورجال الحكم المقاطعات الواسعة من الارض وأجبار الفلاحين على زراعتها بما يشاؤون، وخرجت الحكومة على الكسبة والحرفيين بقانون رسوم البلديات لسنة 1931 الذي فرض اعباء مالية على جموع الشغيلة في المدن بمن فيهم الحمالون وصباغو الأحذية والباعة المتجولون وأمثالهم وشنت المؤسسات الصناعية الأجنبية اولا كالسكك والنفط والميناء وتلتها الشركات الاهلية حملة واسعة لتقليص يوم العمل مما الحق أضرارا فادحة بكادحي المدن وقد عمت الاثار السيئة للإجراءات الحكومية وسياستها الاقتصادية لتشمل فئات السكان الاخرى ايضا.. بدأت نقابات العمال في 5 كانون الاول 1933 مبادرة لمقاطعة شركة الكهرباء البلجيكية – البريطانية في بغداد واستمرت حتى 2- كانون الثاني 1934 كما نلاحظ بعد عدة اشهر من تأسيس الحزب الشيوعي العراقي انه يحرض ويساند انتفاضة الفلاحين في سوق الشيوخ والفرات الأوسط بذلك يجسد تلاحم العمال والفلاحين قطبي المضطهدين في المجتمع العراقي.

ــــــــــــــــــــــــــــ

*الكرنتية كانت معتقلاً لاستخبارات البعث الفاشي اعتقلت فيها 1971ولمدة 4 اشهر الى ان تم ترحيلي الى المحكمة العسكرية الدائمية الاولى وقد حكم علي لمدة سنتين لانتمائي للحزب الشيوعي العراقي وتقع خلف ملعب الكشافة في الاعظمية..عبد السيد مهدي الحسيني

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان