علي علي
عندما يوكل أمر الى إنسان -سوي طبعا- فإن أول مايبدأ به هو إجراء دراسة أولية شاملة، يقوم من خلالها بإلقاء نظرة سريعة على كل شاردة وواردة في ما يتعلق بما كلف به، وأول ما يتناول دراسته هو ما يسمى الـ (جدوى). فإن كان الأمر المكلف به مشروعا استثماريا على سبيل المثال، ينصب اهتمامه حينها على الجدوى الاقتصادية للمشروع، وحين تكون الجدوى دون المستوى المطلوب يكون الإقدام على المشروع ضربا من المقامرة والمجازفة، وهذا هو التهور بعينه، وكذا الحال على باقي الأعمال والمشاريع. وقد يكون المرء حرا في تصرفه عندما تعود مردودات تخطيطاته عليه وحده دون الإضرار بالآخرين، أما حين يشمل الأمر مجموعة من أناس هو موكل بهم وهم مرؤوسون من قبله، فالأمر هنا يأخذ منحى آخر، يدخل في باب المسؤولية ومايترتب عليها من حقوق وواجبات، وسيكون محتما عليه مراعاة جوانب عدة قد يظنها تمر عليه مرور الكرام، إلا أنه سيُسأل عنها عاجلا وآجلا وفي كل حين.
قبل أربعة أعوام كلف مجموعة من العراقيين كان عددهم حينها (325) عراقيا بمهمة جليلة بكل معنى الكلمة، تلك هي مهمة رئاسة وعضوية أهم مجلس من مجالس الدولة العراقية، ذاك هو مجلس النواب. وما اكتسابه هذه الأهمية إلا لكونه ممثلا عن أكثر من ثلاثين مليون فرد، وكل فرد له حقوق في بلده، وبلده كان قد خرج للتو من أربعة عقود، تنوعت خلالها أشكال الظلم والغبن والغمط والقمع التي مورست ضده، وبذا فقد سلم أمر ماضيه وحاضره ومستقبله بيد هؤلاء الـ (325) عراقيا، متكلا على الله أولا وعليهم ثانيا، في استبدال تلك العقود المظلمة بما يعوضه عن الحرمان والفاقة التي صهرت في بوتقتها أجيالا، إذ من غير المجدي ان يكون التغيير محافظا على ذات السلبيات المتبعة في النظام السابق، فحينها يكون الأمر كما قال شاعر:
اذا ماالجرح رُم على فساد
تبين فيه تفريط الطبيب
اليوم وقد أوشكت السنين الأربع على الانتهاء، كما انتهت الأربع التي سبقتها، سؤال يطرح نفسه مستقتلا على صفحات التاريخ؛ ماالجدوى التي حققها هؤلاء الـ (325) عراقيا؟ وأظن الجواب سيكون مسجلا بحروف عريضة على نفس الصفحات وتحت كل اسم من اسمائهم، لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وفي حال كانت الإجابة لصالحهم، وسجل لهم التاريخ أنهم حققوا جدوى في الواجبات التي كلفوا بها، وأدوها كما ينبغي شرعا وقانونا وخلقا ومهنيا ووطنيا، فقطعا هم الرابحون، وسيدعو لهم رعيتهم بالثواب حسن العاقبة. أما لو كانت الإجابة غير ذلك -وهي فعلا غير ذلك- فمن المؤكد انهم سيقابلون بارئهم بما يخزيهم من الأفعال، علاوة على الخزي الذي يسجلونه في دنياهم.
الذي يهم العراقيين اليوم هو القادم من الأيام والآتي من الأشخاص، الذين سيتبادلون الأدوار مع السابقين ممن تبوأوا مركز الصدارة في البلد، وستوكل اليهم من جديد أموره وأمور قومهم وأهلهم، وإن كان اليأس من جدوى السابقين قد تحقق، فالأمل بجدوى اللاحقين مازال قائما.





