حازم لعيبي
من السهل جداً ان تقول لأحدهم : إنك كذاب كبير . و الجملة قلتها بجرأة يوماً ما لاحد زبائني كسائق تكسي ، نعم قلتها بطريقتي الخاصة بعد محاولته تقديم عرض أجرة مجحف و غير واقعي مقابل توصيله الى بيته ، و القصة بدأت في مطار فينكس أريزونا و انا انتظر دوري للحصول على زبون ، قفز أحدهم داخل السيارة . و بعد إلقاء التحية عليه سألته الى اين تذهب؟ ليرد علي محدداً المكان الذي يبعد عن المطار بحدود عشرين ميلاً أو أكثر، حينما أردت تشغيل العداد الخاص بالتعريفة لم يعمل و بعد ان أخبرته ان العداد قد يتأخر و نحتاج الانتظار لبعض الوقت . و بخبرة سائق التكسي سألته بعض الأسئلة لكسب الوقت الى ان أحصل على الإشارة التي تسمح بتشغيل العداد ، مثل؛ هل كانت سفرتك مريحة ، من اين انت قادم ، و هل كانت رحلة عمل أم استجمام ؟؟
و نحن ننتظر خطرت بذهني ان اعرض عليه ان يقدم لي مبلغاً مقطوعاً ، بعد ان قال لي انه يعمل في لاس ڤيغاس أربعة أيام كل أسبوع و يعطل الثلاثة أيام المتبقية عائداً الى عائلته في فينكس ، رد علي ذلك الرجل الأشقر متوسط العمر بلغة المتأكد ، بانه و في كل مرة يدفع 25 دولاراً لسائق التكسي ، قال أيضاً: ان قيمة الرحلة لا تتعدى هذه الرقم ، و لاني و نتيجة خبرة العمل الطويلة كنت اعرف تماماً كم ستكلف الرحلة من المطار الى بيته تقريباً.
بعد صمت لا يتعدى الثواني ، آليت ان لا ارد عليه مفضلاً الانتظار الى ان أحصل على الإشارة الرادارية التي تساعد في تشغيل العداد ، و بعد لحظات من تقديم العرض المقسوم على إثنين تقريباً ، اشتغل العداد و ظهرت على الشاشة خطوط الإشارة و كانت إشارة إنقاذ لي من خسارة ، بعدها ادخلت رمزاً رقمياً خاصاً و ضربت على الزر ليبدأ العد ، حينها غاب الرجل عن الكلام بضع دقائق و غابت جرأته حين التقيته اول الأمر.
بعدها بدأ الرجل بسؤالي من اين انت؟ ، و كيف العمل كسائق تكسي؟ و هل كان يومك جيداً؟ كانت نبرة صوته تشي بمحاولة في تغطية كذبته حين قدّم لي سعراً لا يتناسب و التكلفة الحقيقية للرحلة . استمر في حديثه و أسئلته الى ان سألني:
ما عملك الأصلي الذي تحبه؟
لأجيبه بلا تردد ؛ الكتابة هي المهنة التي اعشقها ،
و بسببها انا هنا منذ سنوات مع عائلتي. حينها ذهب بعيداً ليقول؛كونك كاتبا ، كيف بقيت على قيد الحياة طيلة تلك السنوات التي عشتها تحت سلطة الدكتاتورية؟ ، السؤال بدا لي معقداً و يحتاج الى إجابة دقيقة، لذلك فضلت الرد عليه بطريقة أكثر حرفية مما قد يتوقع، قلت له: في بلد مثل العراق عليك ان تلعب لعبة الحياة و الموت بطريقة ذكية و قد تلجأ الى إستخدام كل الوسائل و الحيل المشروعة كي تبقي على مشروعك في الحياة ، و ستستمر بالكتابة كما تحب لا كما يملون عليك .
و لتكتمل الإجابة قلت أيضاً: إما الصمت أو إجادة لغة اللف و الدوران إي ان تتمكن من كتابة نصوص عالية الرمزية، و كتابات قابلة على التأويل المتعدد الأوجه و بأمكان القارئ ان يقلبها حسب هواه هذه اللغة تستخدم تقنيات كثيرة .
ببساطة شديدة بدلاً من أن أقول عنك : أنت أكبر كاذب ، لأستدرك عفواً عفواً لم اقصدك انتَ شخصياً ، عنيت أن الدكتاتور أكبر كذاب و بشكل مباشر عليك ان تقص مثلاً قصة “حبل الكذب قصير” و تستعين بروايات اجتماعية و تاريخية معروفة عند الناس ، و بلا شك هناك طرق أخرى فنية و اسلوبية يستخدمها الكاتب كالاستعارة و الكناية و غيرها ، بالإمكان إستثمارها بذكاء و خبرة ، و كذلك ما تمتلكه لغة الكاتب نفسها من قابلية رمزية لتوصيل أفكار و مواقف يمكن قولها بلغة مفهومة و واقعية لكنها مكمن الخطورة لو استخدمت السهولة و المباشرة ، الرمزية ساعدت في نجاة الكثير من الكتاب و المسرحيين و كل من أراد التعبير عن رأيه بمن في ذلك مجانين البلد.
بعد أن أكملت كلامي و وصلنا الى بيته كان العداد يشير الى الرقم خمسين إي ضعف ما قدره الرجل قبل بدء الرحلة ، أحسست حينها أنني استطعت ان أقول له انك كذاب كبير لكن دون ان أخسر ما يسمى خدمة الزبون الجيدة ، اي لو اني قلت له ذلك بشكل مباشر ربما سأخسر عملي لان القاعدة في العمل ” الزبون دائماً على حق” ، و أعتقد ان الرجل تقبل ما قلته له و تعلم درساً جيداً و محترماً كي يقول الصدق في مثل هكذا حالات ، و بانت على ملامحه علائم الخجل و الندم بسبب من كذبته التي أراد من خلالها توفير نصف أجرة الذهاب الى المطار المرة ألقادمة ، قلت له قبل أن أغادر بلغة ملؤها الزهو : HAVE A GOOD DAY SAR
بالتأكيد هنالك طرق كثيرة لكي تقول لأحد الهؤلاء انك كذاب كبير ، و في عراق اليوم بإمكان المواطن ان يختار بين الكذاب الفعلي و المعرّف و تمييزه عن آخر لا نعرف هل هو او هي سيكونا كذابا المستقبلماني أم لا!!! ، و الأمر لا يحتاج اللفة الدورانية التي اضطرني لها الزبون و ما علينا سوى إختيار مرشح نعتقده الأفضل و الأمر لا يحتاج الإشهار و العلن و الحيلة ، ما علينا سوى مواجهة ذواتنا ، نحن الاثنان و الصندوق ثالثنا. إي و الله بالإمكان ان نقول الى الساسة او مشاريع الساسة: BYE BYE, AND HAVE A GOOD TIME





