كتاب الحقيقة

لقد اخطأ محبوب العراقيين

سامي كاظم فرج

 
حين داهم القدر أحد زعماء المعارضة العراقية في العهد الملكي ((جعفر أبو التمن )) والذي كان ((ربما)) يؤرق نوري سعيد بمطالبا ته و بفضح ما يمكن فضحه من السياسات المخبوءة التي لا يراها الشارع العراقي …أقامت المعارضة الوطنية تابيناً يليق بهذا الزعيم الوطني ومن بين من حظر هذا المأتم هو نوري السعيد ..ولا ادري أن كان حضوره ((انسانيا)) أو ((عراقيا)) أو حتى ((سياسيا)) المهم أنه حظر وسجل حضورا وهذا يحسب له ولكن الأدهى من هذا أن نوري سعيد وهو يغادر الفاتحة أبلغ القائمين عليها بأن ((الأربعينية)) سوف تتبنى اقامتها الحكومة !! فلو أفترضنا بأن ما قام به نور سعيد في حضوره واطلاق مبادرته كان ((انسانيا)) فهذا عظيم ولا يحتاج الى بحث وتفصيل اما لو كان (عراقيا)فهذا سوف يؤكد .. وأول ما يؤكده هو وطنية هذا الرجل … أما اذا كان خلاصة ما توجه اليه الرجل هو ((سياسي )) بحت فالرجاء بأن يتعض سياسيو القرن الواحد والعشرون بسلوك هذا الرجل وبخلقه السياسي والذي يؤكده في ما فعل لاحقا اي بعد أن قام الاربعينية التي اصبحت (طامة كبرى) عليه وعلى حكومته …
لقد اقامت الحكومة أربعينة الفقيد (جعفر ابو التمن ) وتمت دعوة العديد من الشعراء لتأبين هذا (المعلم) الكبير الذي كان يمثل فيما مثله أنذاك أحد اعمدة الحركة الوطنية التي كانت تمثل بما أوتي لها جدارا أمام تنامي المد (الانكليزي) في العراق .. وهكذا أقيم التأبين برعاية نوري السعيد وتوالى الشعراء على المنصة لتأبين (جعفر أبو التمن) وتكريس مزاياه الانسانية التي لاتمس ولا (تجرح) مشاعر الحكومة بل تنجدها في بعض الاحيان لانها تبنت أحياء أربعينية الفقيد وحين جاء دور شاعر الشعب المرحوم محمد صالح بحر العلوم وقف على منصة الخطابة وهو ينظر الى صورة موشحة بالسواد لأبي التمن مؤشرا عليها ومخاطبا أياه :
قف بالعراق فشعبه مذكور
وانعى النضال فجعفر مقبور
وأصرخ بأندية الشيوخ تحرقي
حزنا فما لك بعد جعفر نور
واهتف باطراف الفرات تحرقي
ألماً فدجلة طرفها محسور
يا هيكل الايمان ساءك ان ترى
للبغي ينصب هيكل منجور
وسياسة الارهاب تلعب دورها
فينا ويحكم عرفها المنكور
حين تلقى نوري السعيد هذه الضربات المتلاحقة و(جهاً لوجه) لم يحتمل فقرر مغادرة القاعة وحين توجه الى الباب ارتجل بحر العلوم بيتاً لم يكن ضمن القصيدة حيث قال :
والهاربون من الحساب تفهموا
ان الحساب مع الطغاة عسير
اوصى نوري السعيد رجال الامن الذين كانوا يرومون اعتقال الشاعر بعدم اعتقاله قبل اتمام قصيدته وهكذا اختتم بحر العلوم قصيدته بالقول: 
والى اللقاء وانني في قولتي 
والى اللقاء   مهدد    ونذير
تم اعتقال الشاعر وفي اليوم التالي خرج الادباء والمثقفين بتظاهرة يطالبون فيها باطلاق سراحه وبعد فترة قصيرة استجاب نوري السعيد لمطالبهم وقام باطلاق سراح الشاعر..!!
مما تقدم نرى ان النظام الملكي كان ذو ثقافة ديمقراطية ولو الى حد ما.. لذلك فإن قادة ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة ولاسيما الزعيم الخالد الراحل عبد الكريم قاسم ومن وجهة نظر العديد من المتابعين للتأريخ السياسي العراقي قد وقعوا في خطأ فادح في اعلان النظام الجمهوري وحل مؤسسات النظام الملكي التي كانت تقوم عليها الدولة العراقية انذاك وبالتالي ايجاد الرحم المناسب لنشوء وترعرع الدكتاتورية فيما بعد.وربما لو سارت وفقاً لما تقدم فهذا يعني توفر المناخ المناسب لنمو نظام سياسي رصين وفق آليات ديمقراطية وتطورها لما فيه مصلحة العراق وشعبه لأن ذلك كان متيسراً اصلاً ..كل ذلك على الرغم مما احاط تلك الفترة من غموض وبضمنه امكانية عدم امتلاك الزعيم قاسم الحرية في اتخاذ هكذا قرار ..وهكذا دفع العراق وشعبه الثمن غالياً.. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان