عدنان الفضلي
قبل ان ابدأ حديثي سأستشهد برأيين حصيفين قالهما اثنان من أبناء الوسط الفني، يمتلكان الرؤية المتعقلة والنظرة الصحيحة لواقع الدراما العراقية، وهما الفنان الكبير (جواد الشكرچي) والسينارست المبدع (حامد المالكي)، ففي حوارين أجريتهما معهما أكدوا أن الدراما العراقية كانت ومازالت تعاني أزمة اخراج حقيقية، وان تدهور صناعة الدراما العراقية سببه عدم وجود مخرج متميز قادر على مشاغلة المتلقي باللقطة التي تحتوي الإيحاء الحقيقي لما يريد قوله، فضلا عن غياب وسائل الإنتاج المتطورة التي للمخرج حق المطالبة بها لإنجاح أعماله وإيصال أكثر من فكرة خلالها.
هذا القول لا يمكن لأحد أن يلغيه كونه صادرا من أناس يعيشون تفاصيل أعمالهم، ويمتلكون خزيناً كبيراً من التجارب سواء على مستوى الأداء أم الكتابة! وحتى في مجال المتابعة، فالأول ممثل بارع له حصيلته الواسعة من النجاحات والتألق، والثاني كاتب ماهر وبارع في استدعاء الحدث وبثه عبر منظومة كتابة تختلف كثيراً عن تجارب الآخرين. بمعنى ان هذين الرأيين لو استمع إليهما القائمون على صناعة المادة الدرامية في العراق، لما أصبح واقعنا الفني بهذا المستوى البائس، ولما استفرد بالدراما العراقية ورثة المسرح التجاري، ولكان باستطاعة كل من يهمه الأمر إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والنهوض بالواقع المزري للمسلسلات العراقية التي نخجل -حتى يومنا هذا- أن نقارنها بما يقدم الآن على الفضائيات العربية، أو حتى المقارنة فيما بينها بعد أن تأكدنا بان كل من يعمل في مجال الدراما صار يؤمن بثقافة الاستنساخ، تلك التي تعتمد على اجترار الأفكار المتداولة وإعادة صياغتها، دون التدخل في الجوهر او المتن الحكائي السردي الذي هضمنا كل تفاصيله، وأشبعناه ركلاً من خلال انتقاده دون جدوى، فكانت حصيلتنا ان جيش السماسرة ورغم هروبنا من ارض التكرار، استطاع ان ينقض على ما تبقى فينا من فكر متقدم، وينسف كل المحاولات الرامية لتغيير هذا الواقع المأساوي. باعتقادي -وربما باعتقاد الأغلبية- ان العاملين في إنتاج الدراما العراقية لو انتبهوا الى الرأيين الخطيرين للـ (الشكرچي) و(المالكي) وتناقشوا فيما بينهم بالمحتوى العام الاطلاقي للقراءتين، لقرروا دون تردد الاعتماد على المخرج العربي مؤقتاً، مع زجّ المخرجين العراقيين معهم للاستفادة من تجاربهم ورؤاهم الكبيرة والواسعة، وتعلم الطرق غير الاعتيادية في الإيصال والتلقي، وبالتالي الحصول على نماذج إخراجية قادرة على استعادة الالق الفني العراقي، وطرح نموذج جديد للدراما العراقية تكون بمستوى او على مقربة مما تنتجه الفضائيات العربية، وتحديداً التجارب السورية والمصرية والخليجية، وحينها يحق لنا المقارنة والمفاضلة بين واقعنا وواقعهم، بشرط..! عدم إهمال الإشارة الى وجود بعض المخرجين الذين تخلصوا حتى هذه اللحظة من هيمنة المسرح التجاري.
إذن هي دعوة لكل القائمين على صناعة الفن العراقي بالانتباه الى ما تقوله (حذام) واقصد (الراسخون بالفن) وترك الرؤى التي لم تقلها حذام والمتمثلة بتعليق الأخطاء على شماعة الظرف الأمني وسوء الإنتاج..!!





