كتاب الحقيقة

سقوط صدام.. وليس سقوط بغداد

علي علي 

 
    لمفردة (سقوط) معانٍ عدة في لغتنا العربية، فالفعل سقط يأتي للتعبير عن وقوع شيء من مكان مرتفع، ويرافقه إذاك أذى بشكل او بآخر. ويستخدم الفعل أيضا في وصف شخص حين تسوء أخلاقه، وتبلغ حدا بعيدا عن المتعارف والمألوف. كذلك يأتي هذا الفعل في موقع الشفيع والعذر إذا جاء بعده حرف الجر (عن)، في حال إعفاء شخص عن قيد او مسؤولية او فرض ما، فيقال (سقط عنه…) وعادة ما يكون سبب إعفائه عدم أهليته او كفاءته. وللفعل استخدامات أخرى بأوجه عدة، لكن أغلبها تميل الى وصف الانحدار الشديد في هيئة الشيء او مكانه او مكانته. 
  مادعاني الى ذكر هذه المفردة القاسية على مسامع كل العراقيين، هو مانستذكره في مثل هذا اليوم من عام 2003 إذ مر عراقنا بحدث هو في حقيقة الأمر وليد أحداث سبقته، كان سببها الغرور والتيه والعنجهية التي كان يتميز بها -باقتدار- حاكم البلاد، إذ كان السبب في (سقوط) الويلات والمصائب على رأس أهلها وسكانها، من خلال (سقوط) أهوائه في شرك النرجسية والعدائية، ما (أسقطه) بالتالي تحت أحكام المحاكم الدولية وبنود الامم المتحدة لما جنته يداه. وهو أمر لم يكن غريبا على شخص كهذا، فالتاريخ سجل له سقوطا قبل تسنمه سلطة رئاسة الجمهورية عام 1979 حيث مارس الإجرام في حياته العائلية والمهنية، مذ كان نائبا. فالسقوط إذن..! لم يكن وليد ساعته، والذي سقط هو صدام لابغداد.   
   وباستطلاع على تاريخ العراق بشكل عام وبغداد على وجه الخصوص، يسفر لنا التاريخ عن مرور بغداد بعدة مراحل من سقوطها الذي كان علامة لسقوط الدولة برمتها من شمالها الى جنوبها، نظرا لكونها كانت عاصمة لتلك الدول على الدوام. فقد سجل التاريخ عن ذلك مايلي؛
– سقوط بغداد عام (1258) وكان ذلك في يوم الأحد 10 شباط يومها سقطت بغداد عاصمة العباسيين علي يد هولاكو بن تولوي بن جنكيز خان، وحل ماحل يومها من دمار وحرق وموت لم يزل علامة شاخصة سوداء في تاريخ بغداد.
– سقوط بغداد عام (1831) إذ سقطت بغداد بأيدي الجيش العثماني بعد مايقارب 82 عاما من سيطرة المماليك لها .
– سقوط بغداد عام 1917  في يوم الأحد 11 آذار، سقطت بغداد بعد سلسلة من الانتصارات في يد الجيش البريطاني 
  خلال القتال مع الاتراك العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
– سقوط بغداد عام (2003): وهو آخر سقوط بعد أربعة عقود ظلت ترزح البلاد خلالها تحت نير الدكتاتورية وسياسة البطش والقمع، وكان ذلك في مثل هذا اليوم قبل أحد عشر عاما، بعد أن تمكنت القوات الأمريكية من التقدم واحتلال بغداد.
   اليوم وقد ولت حكومات الظلم والبطش والدكتاتورية، وحل عهد الديمقراطية والانفتاح، وصارت الحكومة منتخبة من قبل الشعب ذاته وطوع إرادته، من من العراقيين يستسيغ مفردة (سقوط) بحق بلده، بعد أن عانينا جميعا من إفرازات هذه المفردة؟ وهل سقوطها قبل عقد من الزمان هو الآخر والأخير؟

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان