نعيم عبد مهلهل
لايوجد تغيير بدون اختبار صعب ، انه جدلية تاريخية لازمت كل المتغيرات الحضارية منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية وما قبلها وحتى اليوم. وهذا الاختبار يمر بقياسات ومراحل شتى وأصعبه هذا الذي ينقلك من زمن الطغيان الى زمن الحرية ، فترى في اشكاليته تداخلا بين نمطين من التعود النفسي والاجتماعي والطبقي ومن الصعوبة جدا أن تطبق الرؤيا الجديدة وتزيح ما كان وما تخلف وما نتج ، وتلك المهمة الحضارية في الانتقال من عالم الكبت الى عالم التحرر تحتاج الى حكمة القيادة والصبر والمرونة والثقافة والتسامح والعدل ، ومرات تحتاج الى السيف في عودة مرغمة لتثبت قواعد ومسارات هذا المتغير، ولكن بعد الشعور بالخطر على هذه التجربة الوليدة.وجعل السيف من بعض خيارات تثبيت المتغير طبقته معظم المتغيرات الحديثة ، الثورة الفرنسية ، الثورة البلشفية ، الثورة الكوبية ، الثورة الإيرانية ، وفي الوقت الحاضر الثورة المصرية مع الإخوان ، وتونس أيضا وكذلك اليمن مع ذات الفصائل ومعهم القاعدة والمنظمات التكفيرية الأخرى.وفي العراق حدث التغيير بعد 2003. وقصة العراق من المتغير هي قصة طويلة وليس من السهولة أبدا أن ننظر إليها بمقاسات الوقت والصبر وانتظار الفرج لأن الأمر يقع في إشكاليات تاريخية ومذهبية وطائفية هي نتاج عهود قمع لاتحصى من قبل الأنظمة الحاكمة لجميع مكونات الشعب العراقي منذ الأزمنة التي أتت بعد النظام الراشدي وحتى اليوم.ولقد خلق الخليفة والوالي الطاغية والسلطان التركي والشاه الصفوي والجنرال الانكليزي والحاكم الأوحد نمطية من التعامل القاسي والفض والجائر وجعل الزاوية الطائفية منظار لصناعة الأنظمة والقوانين والركائز الفئوية في القيادة المجتمعية. فحصل الشعور لدى الذات الأخرى بهاجس يسمى ( المظلومية).ويبدو ان هاجس المظلومية حمل شيئا من الانتصار السياسي في عراق ما بعد 2003 فأولد هاجسا مضادا بالمظلومية الأخرى التي تم تغذيتها بما ورثناه من الثقافة الاجتماعية السابقة ، فكان إن عاش العراق مخاضا صعبا كاد يوصله الى الحرب الطائفية بين العام 2006 ــ 2007 .ومع محاولة الدولة ترسيخ القيم الديمقراطية والبرلمانية مع إقرار الدستور الجديد في البلاد إلا أن أحلام الدولة وحكومتها لم تتحقق بسبب إشكالية بقاء هاجس عدم الثقة وان النخبة السياسية استعجلت في تشكيل بنيتها الحاكمة على أساس المحاصصة والانتماء الكتلوي الطائفي ، وبالرغم من أن رئيس الحكومة جاهد كثيرا لربما في صنع التوازنات والمحاولة بإمساك دفة السفينة إلا أن المكون ونخبه السياسية التي تحمل عقد لاتحصى من فلسفة الاستحواذ والنقد والتلاسن والاحتكاك والرفض والخوف من الآخر شكلت عائقا هائلا في عمل الحكومة وانسيابها. ووجود هذا فرصة كبيرة لظهور غول وحوت المسؤول المُفسد فكانت الوزارات عبارة عن ضيعة وبيت مال لبعض الوزراء وأحزابهم وكتلهم وأعتقد إن رئيس الوزراء ( نوري المالكي ) كان يشعر بكل هذا ويراه بأم عينيه ، ولكن ( ما باليد حيلة ) لأن الأمر هو ضمن نطاق وضع عام يصعب لرجل بصلاحيات رسمتها الأجندات وفق تصوراتها أن يجابه كل هذا ، وبالرغم من هذا، فأن الرجل في كلمته الأسبوعية يضع النقاط على الحروف في تصور أمني .إن نوري المالكي ليس مغلوبا على أمره بل إن المحيط العام للتشكيلة السياسية المتربصة اكبر بكثير من رجل هذه المرة .قد يحتاج الى سيف ذو الفقار ليحز رقاب داعش المصنوعة من الخارج والداخل ، واللص المفسد الذي يسرق قوت الشعب وأمواله وآخرون يرتبطون بأجندات الماضي الذي لو عاد ربع منه لغرقت البلاد في محيط من الدماء.وما يحصل في الانبار اليوم هو نتاج كل الذي تحدثنا عنه في مقدمة المقال. ومن الخطأ ان نتصورها أنها حرب المالكي ، فلو تركها المالكي على ما بدأت فيه لحدث ما لم يحمد عقباه ، وكما نرى نتاج الأمر ، القاعدة وداعش ترسل أفواجها الممولة من خزائن بترول الدوحة وابن لادن وتقاتل جيش العراق في معركة تكاد فيها الأوراق تختلط ويكاد اليابس يأكل الأخضر ويكاد أن تستعاد صورة المعارك الهائلة التي عاشها العراق في حرب الثمان سنوات مع إيران وبعدها مع أمريكا والحلف الأطلسي.لهذا اعتقد في المقاسات التاريخية والوطنية والأخلاقية إن ما يحدث في الانبار وإيجاد الحل المناسب له يتفوق تماما على السباق الانتخابي… في سؤال بريء اطرحه :كيف اذهب الى الصندوق لأنتخب ؟! ، وداعش حاملة دعم كل الأشرار وتريد أن تسكن حزام بغداد وتقطع الماء عن شلب المشخاب وحنطة الناصرية وتغرق الفلوجة كلها.!





