كتاب الحقيقة

أين حقي..؟!

سامي كاظم فرج

  كان الحديث المحتدم بيني وبين احد زملائي يتمحور حول اجراء مقارنة بين الانظمة السياسية التي تعاقبت على العراق ..وقد جرنا الحديث بعد ان استعرضنا ما تعرض له المجتمع العراقي من قهر اجتماعي وفكري على (السلاطين) ووعاظهم وتصدي اصحاب الكلمة الشريفة الى هذه الهجمة الشرسة الى محور اخر، حيث الشاعر العراقي الراحل محمد صالح بحر العلوم الذي كان احد المتصدين، و عن الاسباب التي دعت الصحافة وبقية وسائل الاعلام الى تجاهله و عدم تعريف المتابع بهذا الشاعر الكبير وتاريخه ونتاجه وعطائه الثر..

لقد وصل الحوار الى ما يشبه الشجار حين اصر صاحبي على تسمية رائعة بحر العلوم (اين حقي) بقصيدة، هذه التي اتفق النقاد وكبار الشعراء على تسميتها (ملحمة) والتي يستهلها بقوله:

رحت  استفسر عقلي وهل  يدرك عقلي؟

محنة الكون التي استعصت على العالم قبلي

ألأجل  الكون اسعى انا ام  يسعى  لاجلي؟

واذا كان لكل فيه حق……  اين حقي..؟

*******

اجاب العقل  في لهجة  شكاك  محاذر

انا في رأسك محفوف بأنواع المخاطر

تطلب العدل  وقانون بني جنسك جائر

       ان يكن عدلا فسله عن لساني….. اين حقي؟

ثم يقول الشاعر في موضع اخرمخاطبا بعض الرجعيين المتأسلمين و الذين يتخذون الدين اداة لمحاربة الفكر التقدمي وهم لا يفقهون من الدين شيئا…..

يا ذئابا   فتكت  بالناس آلاف  القرون

اتركيني  انا  والدين فما  انت  وديني

امن الله قد استحصلت صكا في شؤوني؟

      وكتاب الله في الجامع يدعو………اين حقي؟

*******

حرروا الامة ان   كنتم دعاة  صادقينا

من قيود الجهل تحريرا يصد الطامعينا

واقيموا الوزن في تامين حق العاملينا

        ودعوا الكوخ ينادي القصر دوما…..اين حقي؟

كذلك يذهب الشاعر لتجسيد صورة فتاة تشترك مع العديد من فتيات الشعب في الفاقة والبؤس والمستقبل المبهم الذي ينتظرها والذي يمكن ان يدفع بها الى طريق الرذيلة.. فيقول:

و فتاة  لم تجد غير غبار الريح  سترا

تخدم الحي ولا تملك من دنياه  شبرا

وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا

      واذا الحفار فوق القبر يدعو…….اين حقي؟

***********

ما لهذي وسواها غير ميدان الدعارة

لتبيع العرض في ارذل اسواق التجارة

واذا الدين يراميها  ثمانين حجارة

      واذا القاضي هو الجاني ويقضي… اين حقي؟

****************

ويذهب الشاعر وبكل جرأة الى محاكاة الخالق سبحانه وبما يشبه التضرع اليه من بطش هؤلاء وتماديهم باستخدام القناع الديني للامعان في اذلال الخلق فيقول:  

 برياء ونفاق  يخدعون   الله  جهرا

 اين مكر الله ممن ملأوا العالم مكرا؟

 ان صفا الامر لهم لن يتركوا لله امرا

 وسيبقى الله مثلي مستغيثاً……..اين حقي؟

وهكذا يختتم شاعر الشعب ملحمته الفلسفية التي تناول فيها الكثيرمما يعانيه المجتمع من امراض وبجرأة ما بعدها جرأة قائلا:

لم يؤثر بيقيني ما اقاسي من شجوني

فشجوني هي من اسباب تثبيت يقيني

ولتكن دنياي ما بين اعتقال وسجون

 وليكن آخر انفاسي منها……..اين حقي؟

************

رحم الله شاعر الشعب كما اسموه النقاد في ذلك الوقت فقد اصاب كبد الحقيقة  وشخص العديد من الامراض التي يتردد الكثير من المثقفين والرواد الى التصدي لها لان هذه المهمة صعبة وشاقة وقد تكلف الكثير احياناً….

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان