علي علي
قلّب العراقيون خلال العقد الأخير من السنين صفحات عديدة لم يكن يقلبها في سابقات السنين، ولايمكن القول بعد (الضيم والظلايم) عن تجربة سيخوضونها للمرة الثالثة أنها تجربة فتية، فقد تمرس العراقيون وخبروا أصناف السياسات ودهاليزها، ومرر ساسة سابقون وآخرون لاحقون عليهم دقائق أمور في إدارة البلد، لم تكن تخفى عليهم، وهم أحفاد من حارب الانكليز قبل أربعة وتسعين عاما، وهم أولاد الثائرين في ثورة العشرين. ورغم القمع الذي شهدته شرائح البلد كافة خلال أربعة عقود، وهي ترزح تحت وطأة الحكم الدكتاتوري الدموي المقبور، إلا أنها نهضت وانتفضت أكثر من مرة في مدن ومحافظات وقرى، كادت تطيح بذاك الحكم قبل وصول الغرب الى هذه النتيجة، وقطعا كل هذه السنين رسخت دروسا وعظات في عقول الفرد العراقي، مازال الى اليوم يستعيد ذكراها، رغم ان أغلبها كان مؤلما.
اليوم ونحن نقترب من التجربة الانتخابية الثالثة، يتفاوت المواطنون بين متفائل بنتائجها وبين يائس مما ستفرزه صناديق الاقتراع، وقطعا للأول أسباب تفاؤله وللثاني مبررات قنوطه. فأما الأول فهو يستند في تفاؤله على ان المواطن باتت لديه من تلك السنين قوة حدس، تمكنه من معرفة مايضمر المرشحون القادمون اليه من نيات وأهداف وغايات مختلفة، ولاينكر ان من بينهم أشخاص نستطيع ان نطلق عليهم مصطلح (سمچ بالشط) قد يفوتنا من خباياهم الكثير ومن خفاياهم أكثر، وهو أمر له من الخطورة ما يضيف السنين الأربعة المقبلة الى قائمة السنين العجاف الماضيات، وكما يقول مثلنا: (چنك يابو زيد ماغزيت). وهنا على الناخب وضع حسابات جديدة غير السابقات في تجربتيه اللتين خاضهما في أشد الظروف الأمنية صعوبة، وأكثر المواقف السياسية حساسية وحراجة. ولايمكن نسيان الصعاب التي رافقت ذهاب الناخبين الى مراكز الاقتراع، وتعرضهم لشتى الضغوط لمنعهم من ممارسة حقهم المشروع في الانتخاب، وفي حقيقة الأمر لم تكن النتائج توازي تلك التضحيات، بدليل ان البلد دخل متاهات الصراعات بين المرشحين بعد فوزهم، وتبوئهم مراكزهم تحت قبة البرلمان، وانقلب بعضهم على ماكان يدعي به ويعد به الناخب. وتلك النتيجة قطعا حزّت في نفس الناخب المتفائل، حين صار محصوله من الوعود سرابا، ومن الآمال خيبة، ومن الاعتماد خذلانا، ومن الثقة زعزعة، ومن اليقين شكوكا، في الوقت الذي كان قد ظن ان حلمه في العيش كباقي شعوب العالم، بات على وشك التحقيق.
وأما الثاني اليائس مما ستلده صناديق الاقتراع، فعليه خوض التجربة وفق أسس ليست كالتي خاض وفقها التجربتين السابقتين، فبتغيير السبيل تتغير الوجهة، وبتغيير الوجهة تتغير النتاجات، وتطرح حينها نتائج أقرب الى تحقيق مايصبو اليه، وهذا يتطلب الحزم والدقة في الانتقاء، ورحم الله الملا عبود الكرخي حين قال قبل ثمانين عاما:
لازم انميز الزين امن الزلم
وننتخب كلمن شهم صاحب علم
ونرفض اللي يجي كل يوم ابفلم
من ايشوف المنصب اشويه اندرچ
قيم الرگاع من ديرة عفچ





