كتاب الحقيقة

اليابان بناها مثقفوها

حازم لعيبي

 
 لا أفضل الخوض في التعريف المعجمي للمثقف أو الثقافة ، سأترك الأمر الى كل قارئ مهتم .
و سأذهب مباشرة الى العنوان أعلاه ” اليابان بناها مثقفوها” كنت قد سمعت او قرأت هذا في ثمانينيات القرن الماضي ، و قد أعجبني القول كثيراً ، حينها كنت التقي في مقهى حسن عجمي مع الكثير من الكتاب و الصحفيين ، بعد ان أغلقت مقهى البرلمان الشهيرة . أي ان مكان تجمع “الوسط الثقافي العراقي البغدادي” حينها المقهى الواقع قبالة جامع الحيدرخانة في بداية شارع الرشيد من جهة ساحة الميدان . كنت معتقداً بما لا يقبل الشك ان من سيبني العراق هم هؤلاء؛ رواد المقهى من شعراء و قصصاصين و صحفيين و رسامين و مسرحيين و سينمائيين و نقاد و ممثلين و أعلاميين .
 في الفترة ذاتها ظهرت ملفات شعرية مشتركة في مجلة الطليعة الادبية ، قد أثارت حينها نوعاً من الجدل كونها قدمت لنماذج شعرية حداثية مختلفة عن السائد “حسب اعتقادي” و الدليل ان حوارات كثيرة عن الملفات دارت في المقهى ذاته او تناولتها مجموعة مقالات ، ليتهمها بعض من “الوسط الثقافي الراسخ” ؛ بأن النصوص غير مثقفة مضموناً !! و سؤالنا حينها رداً على هذا الرأي ؛ ما هو تعريف المثقف؟ و لكي نجيب عن ذلك ، أتذكر ان أحد الشعراء الاصدقاء ” الاكاديمي حالياً يوسف إسكندر” رد متهكماً على تلك الأصوات بعد ان فشلوا تماماً في تقديم تعريف مقنع لذلك الفرد الذي يطلق عليه مثقف قائلاً : حتى البقال مثقف ، لكن بقالياً . نعم و الفلاح مثقف فلاحياً . و الحداد مثقف حدادياً . و هكذا الكل مثقف حسب نوع الاختصاص و المهارة و سواء تعلق الأمر بالتعليم أم باكتساب الخبرة مضافاً الى ذلك الموهبة و درجتها. كل هؤلاء و غيرهم من طبقة اجتماعية ان اكتسبت القليل من التعلم و المهارة سيندرجون في قائمة الطبقة الوسطى من المجتمع .
 و لكي نكون اكثر موضوعية سنشير لتلك الفترة الملتبسة و تحديدا منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، فالكثير من العراقيين تخلوا عن درجاتهم التعليمية لصالح العيش بكرامة بسبب عدم توفر فرص العمل و ضآلة الدخول فيما لو توفرت تلك الفرص ، لذلك كان أمراً طبيعياً ان ترى حاملي شهادات عليا في سوق الهرج يسترزقون او سواق تكسي و أصحاب بسطيات او اكتسبوا مهارات الخياطة و السمكرة ووو ، حتى شارع المتنبي تحول الى سوق بسطيات لبيع الكتب بسبب من ذلك ، و الشارع الآن عبارة عن ملتقى ما يسمى ب “الوسط الثقافي العراقي” و سوق لبيع الكتب أيضاً ، صار الشارع الآن بديلا نوعيا لمقهى حسن عجمي و مقهى الحجي و مقهى الجماهير في بغداد و مقاهي المحافظات . و السؤال هل الوسط الثقافي العراقي كمصطلح مأخوذ من الطبقة الوسطى التي تشتمل أصحاب الشهادات او المتعلمين و الموظفين ، و من هم بناة العراق ؟؟ 
و الاجابة عن السؤال الاول بالتأكيد نعم ، أنه من الطبقة الوسطى و قد سميت هذه المجموعة المجتمعية بالوسط كونها تندرج ضمن الطبقة المكونة للطبقة الوسطى و التي تشتمل عادةً كبار موظفي الادارة الوسطى في الدولة و القطاع الخاص ، و صغار التجار ، و فئات المهنيين و الفنيين و كذلك الادباء و الكتاب و غيرهم .
 والاعتقاد : “المثقفون هم بناة العراق” سقط كما سقطت اعتقادات كثيرة أخرى في رحلة الحياة و كذلك من خلل التجارب و الخبرات و المعرفة تبين لنا وهن تلك المجاميع التي تلتقي في مقاهي و شوارع الثقافة ، لأسباب تتعلق بعدم توافر تقاليد علمية و مهنية و فاعلة لهذا “الوسط المثقف” ، لا بل ان المثقف العراقي يقع في منطقة الضباب و الغشاوة و لا يمثل إلا ذاته المريضة بعقد نقص مركبة ، الأنانية أخطرها ، الذي لا يؤمن بالآخر حتى رفيق الدرب ، المتعالي ، الباحث عن خلاص فردي دائماً و أبداً ، الجالس في القمة و يحلم بصعود الجماهير اليه ، الذي لا يعترف بأخطائه و لا يغفر للآخرين أخطاءهم ، المتمركز في دائرة العطايا و المنح ، و يعرف الوطن : ان تبقى على قيد الحياة !! ،    
 الوسط الثقافي العراقي ممثل الطبقة الوسطى الرئيس غير فاعل و غير المستقل اقتصادياً ، فتراه غالباً يعتمد في كثير من نشاطاته على الدولة او من ينوب عنها ، و هكذا ينسحب العجز على من يندرج في قائمة الطبقة الوسطى كونها ترتبط مباشرة بالمؤسسات الحكومية تمويلاً و عملاً . هذه الطبقة غالباً ما تحاول الالتصاق بالمؤسسة الحكومة و يصعب عليها الانفصال منها نتيجة مخاوف من المستقبل و كما هو سائد و معروف يفضل الأغلب العمل مع الحكومة لضمان فترة ما بعد التقاعد لعدم توافر قوانين مشتركة تشمل القطاع الخاص و العام و تشترط العمر التقاعدي و قانونا واحدا و مشتركاً.
 و للاجابة على سؤال من هم بناة العراق ؟ من الممكن ان نقول الكل من دون استثناء ان ارادوا ذلك خصوصا الطبقة الوسطى الغائبة و الضعيفة و التي لا تمتلك ادوات العمل العلمية الواضحة ، الكل من عمال و فلاحين و مهنيين و كسبة و طلاب و كادر التدريس و تجار و موظفي الادارة و كذلك ما يطلق عليهم بالوسط الثقافي ، هم الأمل في بناء العراق مثلما بُنِيَت اليابان بالطبقى الوسطى “مثقفوها”.
 و للتذكير فقط ، فإن من له مصالح مع السلطة و يفضل الارتباط بعلاقة مستديمة معها ، فنقول ” ان العلاقة عكسية بين السلطة و المفسدة بالاطلاق” ، وهذا بدوره ينعكس على الاستقرار لأنه يحد من نمو طبقة وسطى مؤثرة مستقلة وافرة العدد وقوية البنية قادرة على القيام بأعباء التنمية وحماية الاستقرار البعيد الأمد . و فيما لو توافر عكس ذلك سنسمع جملة : العراق بناه مثقفوه ، و الطبقة الوسطى هي فقط لا غير من ستكون حاملة للواء التغيير ، إي و الله 
 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان