في البدء كانت الكلمة أساساً للتعاون والتعارف، ومنطقاً للتعايش والتآلف، و كانت في الماضي وسيلة النبوة والأنبياء في خطاب أممهم، وأداة الدعوة والدعاة إلى المدعوين، والعلم والعلماء مع المتعلمين؛ فهي كذلك اليوم وغداً، ستظل مرتكزاً للحوار بين الاطراف، ومستودعاً لمباهج الحياة ومآسيها وأوجاعها وإبداعها، وسيبقى الناس في سعة من دينهم ويسر في دنياهم ما شهروا سلاح الكلمة وشحذوه بالثقافة والاطلاع والقراءة المنتجة، وما آثروا الحوار والكلام على الصمت واللغو، الذي لا يكون سوى الصمت المقنع عندما يتكلم الإنسان فلا يقول شيئاً … فثقافة الحوار تعني ما هو أعمق من مجرد الاستماع إلى وجهات النظر والسماح بالتعبير، حيث تتطلب الاعتراف بـ”شرعية الآخر” والاعتراف بحقه في الرأي والتعبير والمشاركة في القرار السياسي لا منّة ولا إحساناً أو تنازلاً وإنما حق أصيل وطبيعي وشرعي لا يحق لأحد مصادرته أو تهميشه أو تخوينه أو تكفيره. اذ لا يمكن ترسيخها في الأرض العربية ما لم نؤمن بها كقناعة مجتمعية عامة مثل قناعاتنا بالأمور البديهية. حيث تعتبر من أهم مقدمات الديمقراطية الحقيقية التي يناشد بها المواطن العربي قبل و بعد الربيع العربي : في الاعتراف بالآخر و احترام رأيه و وجهات نظره وفق أسس الاحترام المتبادل . وهذه المقدمة كلها تؤكد وتوضح مدى أهمية «ثقافة الحوار» ومدى ضرورتها للايمان و الاعتراف بوجود الاخر و تقبـّل رأيه و قبول حضوره. ، فلسنا وحدنا في هذه الدنيا وإنما هناك آخرون غيرنا، ونحن لنا رأي، والآخرون قد يكون لهم رأي آخر، ومن حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه استناداً على قناعاته و تفكيره.و هكذا تقول كل المواثيق الدولية وكل الدساتير في البلاد التي فيها دساتير حقيقية وليس مجرد نصوص هامدة لا قيمة لها كما كان الحال عندنا وكما هو الحال عند كثير غيرنا من البلاد التي يحيط بها التخلف وتغيب فيها الديمقراطية. هذه هي البداية التي يلزم منها أن نعترف أيضا بمقولة :” ان رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
تحقيق ـ سناء الحافي
خطوات ثقافة الحوار.. بين التخلف والتحضر الطبقي
يقول الكاتب يحيى الجمل في هذا الصدد : ( أول خطوة في ثقافة الحوار أن أسمع الآخر جيدا، وأن لا أقاطع محدثي أثناء كلامه، فهذا ليس من أدب الحديث أو أدب الحوار، أسمع الطرف الآخر إلى أن ينتهي من حديثه وأستوعب هذا الحديث ثم أرد عليه برأيي مخالفا كان ذلك الرأي أم موافقا. المتحضرون هم الذين يعرفون كيف يختلفون، نختلف اليوم على نقطة أو نقطتين مما نتحاور فيه ونتفق على نقطة أو نقطتين ثم يأتي الدور بعد ذلك على بقية نقط الخلاف، هكذا يفعل المتحضرون. أما عندنا حيث تغيب ثقافة الحوار فإننا نعرف كيف نتخاصم ونتشاتم بل ويهدر بعضنا دم البعض الآخر، وهذه أكثر صور التخلف وأقبحها.)
و يضيف قائلا : (إنّ غياب ثقافة الحوار يؤدي إلى التعصب للرأي، وعندما يتعصب الشخص فإنه يفقد الرؤية السليمة ويذهب إلى الهوى والشطط. وأظن أن ذلك كله يبين لنا مدى أهمية أن نتعلم ثقافة الحوار وأن ندرك مدى أهميتها للنظام الديمقراطي. إن ثقافة الحوار لازمة لإشاعة الجو الديمقراطي بين المواطنين. في الأنظمة الديمقراطية للحكم يوجد حزب غالب وأحزاب معارضة، والحزب الغالب في هذه الحالات يتحمل مسؤولية كبيرة في إشاعة ثقافة الحوار، ذلك أنه إذا أنكر على الآخرين رأيهم أو لم يسمع إلا صوته، فإن النظام الديمقراطي كله سينتكس، ولن تجديه النصوص.
متسائلا في حديثه : ( متى نتعلم ثقافة الحوار حتى نستعيد أمجاد تاريخنا الغابر؟. عندما أرسلنا الحضارة والنور عبر الأندلس إلى أوروبا فبعثنا نهضتها التي أنارت العالم ثم انتكسنا لأننا سمحنا للاستبداد والانفراد بالرأي أن يسود. والآن نقول لعل الربيع العربي أن يكون حقيقة، وأن نسترد من جديد مقولتنا القديمة «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، وهكذا نستعيد ثقافة الحوار وندخل في زمرة المتحضرين.).
ثقافة الحوار.. على ناصية الخلاف والاختلاف
و تؤكد د. آندي حجــازي- أستاذة جامعية أردنية في سياق حديثها :” أن المتأمّل لواقعنا اليوم يرى بأن ثقافةً الصراع انتشرت في عالمنا العربي، وتزكّيها بعض وسائل الإعلام كمن يشعل النار في الهشيم، كيف لا، وقد جعل منها مادةً دسمةً له، فنشر تلك الثقافة، فعمت وطغت بشكل لم يسبق له مثيل، فبتنا نلحظ الصراعات بين أبناء الشعب الواحد؛ صراع الأهداف، صراع الرؤى، صراع الغايات، صراع المبادئ، صراع الأفكار والمعتقدات، صراع الطموحات، صراع الآمال، صراع القيم، صراع الأحزاب، صراع الماديات، صراع المصالح، صراع القوى المتعارضة… مع أن منتهى الغايات هو الوصول إلى رؤى مشتركة تجمع أبناء الشعب الواحد والأمة الواحدة، تعمل على تقليص الصراع والفجوات، لتحقيق الآمال والأحلام لأبناء الأمة في الرقي والازدهار والعيش الكريم! مشيرة الى بعض المبادئ في اخلاقيات الحوار قائلة:( و لكي لا يكون حوارنا حوارًا فلسفيًا أو عاجيًا أو بيزنطيًا (محاولة التفوق على الخصم بأية طريقة) أو مضيعة للوقت فإن المتحاور عليه أن يضع نصب عينيه الالتزام ببعض مبادئ الحوار التي إن تم التقيد بها فإننا حتمًا سنصل لنتائج مشتركة فاعلة مقبولة، ومن تلك المبادئ؛
** المبدأ الأول: تقبل رأي الطرف الآخر كثيرًا ما يتقابل المتحاورون وفي ذهن كل منهم فكرة ذاتية دفينة بأعماقهم، مؤداها أن رأيه هو فقط الصائب المقبول، والذي لا رجعة عنه، وأن رأي الطرف الآخر هو الخاطئ المرفوض تمامًا، ولا يمكن قبوله ولا بأي حال من الأحوال! فلا يمكن أن نصل لحوار بنّاء ما دمنا نأتي للحوار وقد بيّتنا النية بعدم تغيير أيٍ من أفكارنا أو آرائنا.. فالحوار لا يمكن أن يحصل بين طرفين يدعي كل طرف أنه على هدى، وأنّ الطرف الأخر في ضلال مبين! فمن الصعب أن يتحقق الحوار في ظل هذا المنطق الأعوج المبني على قناعات فكرية شخصية وحزبية متصلبة، لا يمكن التراجع عنها، فهنا ستبقى الهُوّة بين أطراف الصراع عظيمة، فالبعض خوفًا من الاقتناع بالرأي الآخر نجده يقفل أبواب التحاور أمام الآخرين بشتى الطرق. ولكي يتحقق الحوار المنتِج المرغوب به، فلابد أن نأتي بعقلية ذهنية تقول: «إن رأيي صوابٌ يحتملُ الخطأ، ورأي غيري خطأٌ يحتملُ الصواب»، عقلية التغيير والانفتاح على رأي الآخر وتقبل له.. لأن في نهاية المطاف؛ إن لم يتم الوصول لحلول توافقية عادلة لجميع الأطراف فإن الفجوة ستزداد شيئًا فشيئًا بمرور الزمن، ويكون الخاسر الأكبر هو الوطن!
**المبدأ الثاني: تقديم الأدلة والحجج المقنعة باعتبار أنّ الحوار الجاد والفعال هو الحوار الذي يستند على البراهين والحجج المقنعة، والذي يتخذ من الحجج العقلية سبيلًا لمعرفة الحق، وإثبات الرأي، وإقناع الطرف الآخر؛ كما نرى في منطق القرآن الكريم في الحوار (كما في حوار الأنبياء مع أقوامهم) إنه استند على الأدلة والبراهين والحجج والحقائق، وهذا هو الحوار المثمر والمنتج. أما الحوار القائم على الشكوك والتوهمات ورفع الصوت والمجادلات الفارغة، بدون برهان مقنع فلن يكون إلا حوارًا فاشلًا، وجدالًا عقيمًا، لا هدف له إلا إضاعة الوقت وإقناع الآخرين بأننا جلسنا للحوار، ولكننا لم نصل إلى شيء! فعلينا بالعمق في الحوار لأن التفكير السطحي هو الذي يغيّب العقل والنتائج، ويقطع الحوار!
**المبدأ الثالث: الرغبة الصادقة في التوصل إلى حلول،فعندما نعلن أننا نريد التحاور من أجل التوصل لفهم مشترك أو حل قضية عالقة، فإنه لابد أن يكون لدينا الرغبة الصادقة في الوصول للنتائج والوصول إلى الحق والصواب والتغيير لصالح الوطن، حتى لا يكون جلوسنا للحوار ضربًا من إضاعة الوقت أو رفع العتب! فعلينا أن نعطي الآخرين فرصة للتعبير عن أنفسهم، وأن نكون موضوعيين في طرحنا وفي قبولنا للحقائق والآراء، ومن الحِكَم السديدة: «رأس الأدب كُله الفهم والتفهم والإصغاء إلى المتكلم»
**أما المبدأ الرابع ندرجه في الالتزام بأخلاقيات الحوار ومن أهمها الاستماع وحسن الإصغاء للطرف الآخر، وعدم مقاطعته حتى يكمل فكرته، والصدق في الطرح لا المخادعة، واللياقة واحترام الحوار واحترام الآخر، وعدم رفع الصوت فوق الدرجة الطبيعية..ولكن ما نتابعه اليوم من حوارات عربية تنقلها وسائل الإعلام يظهر كيف أن هذه الأخلاقيات كثيرًا ما تُنقض عراها واحدةً تلوَ الأخرى، أثناء الحوار، فيبدأ المتحاوران يقاطع كل منهما الآخر، ودون استماع أو مناقشة، ومع رفع الصوت شيئًا فشيئًا إلى أن ينتهي الحوار بالشتائم أو الضرب أحيانا! وبشكل بعيد كل البعد عن مفهوم الحوار!
اساسيات الحوار و الحراك السياسي !!
اما الكاتب سلمان بارودو فيؤكد أن هنا، لابد من التأكيد، إن ثقافة الحوار هي نتاج الحراك الاجتماعي والسياسي للتحولات التي تحدث في أي منطقة في العالم ونحن جزء من هذا العالم، فالعقول الواعية هي التي تحث على التغيير الإيجابي، وعدم الوقوف في أمكنتها، لذلك يجب أن يكون هناك معالجة فعلية وواقعية لكافة قضايا المجتمع، عندها نستطيع أن نقول أن ثقافة الحوار تبدأ فيحديث الإنسان مع ذاته، ومن ينغلق من الداخل يفشل في التعاطي فكرياً مع غيره لأنه جاهل بمكونات نفسه وعن كسر طوق العزلة الانفرادية التي تحدو به من التخوف، والحوار معه لا يتحقق دون أن تتسع الأنا لتهيئ في داخلها مكاناً أرحب للآخر، لذلك نستطيع أن نقول بأن الثقافة هي الوعي المتطور للفكر الإنساني وهي الإنجاز الرائع لهذا الوعي. والواقع إن الإنسان, وبحكم طبعه الاجتماعي, بحاجة إلى جماعة ينتمي إليها, والوطن يعتبر شكلا متقدما في تعبير الإنسان عن هذه الحاجة وبالتالي يذهب جزء كبير من جهد الإنسان لممارسة وجوده في هذه المنظومة الاجتماعية في إطار ما يصطلح عليه بالمواطنة. ومن المواطنة تأتي ضرورة الاهتمام بذلك الآخر.
فإذا كانت الوطنية هي ذلك الشعور بالانتماء الذي يشد الفرد إلى مجتمعه ووطنه فإن المطلوب هو تعزيز هذا الشعور عند كل أفراد المجتمع وذلك من خلال عدم تهميش الآخرين بحجة الاختلاف في الرأي والاجتهاد وغيرها من الأمور الخلافية.
داعياً الى ضرورة اعطاء اهمية كافية للحوار قائلاً كون الحوار يقوم على المساواة وإيمان أطراف الحوار بهذه المساواة يقتضي قبول الاختلاف وإيلاء أهمية للآخر واقتسام المعرفة بوصفها رابطاً جماعياً وأداة تعارف وتقارب وتضامن ويوفر التقدم التقني على مستوى تطور تكنولوجيات الاتصال، والإعلام اليوم فرصا كبيرة وناجعة للحصول على المعلومات دون اعتبار للحواجز المادية بل أن ما يوفره التكنولوجيا اليوم من فرص للوصول إلى المعلومة ونشرها وصل حد إلغاء الحواجز التي كانت موجودة أو المصطنعة، وأن الحوار يمكن أن يلعب دوراً حيوياً وهاماً في خفض مثيرات العنف وإلغاء الآخر المختلف، والإقلال من احتمالات لجوء الأشخاص إلى العنف كوسيلة للتعبير عن أنفسهم أو كطريقة لحل مشكلاتهم أو التخلص من إحباطاتهم ورغم أننا على كل المستويات وفي كل المناسبات ( تقريباً ) نتحدث عن أهمية الحوار ليس فقط كوقاية من العنف وعلاج له وإنما لتحسين نوعية وجودنا الفردي والاجتماعي والإنساني، رغم كل هذا، فإن لدينا مشكلات عميقة وعديدة تتعلق بهذه الناحية، إما بسبب انسداد قنوات الحوار ( كلها أو بعضها )، أو بسبب شيوع أنماط غير صحيحة للحوار بيننا، وكلا السببين يؤديان إلى تعطيل عملية التواصل الصحيحة مع ما يتبع ذلك من مشكلات في العلاقات يكون إدارة الظهر لحل القضايا أو العنف أحد إفرازاتها.).
الحوار يوحـّد العالم في نقطة واحدة
و يرى الكاتب اسامة عبيد على أن الحوار هو الطريقة الوحيدة الممكنة لجعل المجتمع بكافة ألوانه و أطيافه يلتقي في نقطة واحدة هي نقطة مصلحة الوطن و الأولويات التي ينبغي التطرق لها و حلها, الحوار مع الجميع دون تهميش لأي أحد مهما كان باستثناء الذين سلكوا طريق العنف و السلاح فلا حوار معهم ما لم يتراجعوا عن طريقهم. تقبل الآخر مهم جدا كنقطة بداية و ركيزة أساسية لأي حوار, و يجب أن يفرض على جميع المتحاورين, تقبل العلماني و الليبرالي و السلفي و أتباع جميع الأديان و حتى الطوائف, لأنه لا يوجد مجتمع في هذا العالم مكون من تيار واحد فقط, تيارات مختلفة و الجميع يشارك في الحكم و يكون مؤثرا فيه بما تقتضيه مصلحة مجتمعه و وطنه و ليس طائفته أو مذهبه. علينا أن نحاول اكتساب ثقافة الحوار من خلال ممارسة الحوار نفسه, و جعل الحوار فيه هادئا متزنا في الطرح يعطي الفرصة لجميع الأطراف بالتحدث و عرض وجهة نظرها دون محاباة لطرف على حساب طرف آخر, و محاولة تأسيس شبابنا الطموح على هذه الثقافة عن طريق ملتقيات حوار شبابية تزرع في مناطق دولتنا المختلفة و تستقطب الطلاب من جميع مناطق الوطن و من الجنسين طبعا لأنه لا حوار دون نصف المجتمع الناعم..
الأحادي الصوت لا يسمع ولا يقرأ إلا ما يتماشى مع ما يعتقده صحيحاً…!
و عليه ،فالشخص الأحادي الصوت لا يسمع ولا يقرأ إلا ما يتماشى مع ما يعتقده صحيحاً، ولذلك فهو يرفض تماماً وبشكل مسبق ما يقوله الآخرون. ومن صفات هذه الشخصية أنها تكون إمعة سهلة الانقياد لمن يتفق مع قناعاتها المسبقة أو تغذيها. والجماعة التي ترفض الحوار أساساً تسعى دائماً لحجب الآراء الأخرى عنهم. الحوار يتطلب إدراك أن الاختلاف هو الأساس وأن البشر شعوب وقبائل ليس فقط في أعراقها وإنما في تفكيرها ومعتقداتها. و أختم بمقولة مميزة للكاتبة الأمريكية دورثي نيفيل: (أدب الحوار ليس قول الكلام المناسب في الوقت المناسب، ولكنه أيضا السكوت عن الكلام غير المناسب في الوقت المناسب).





_1617644865.jpg)



