لطالما شكّلت ظاهرة انتحار الأدباء والشعراء في العالم لغزًا محيراً، فليس كل من انتحر كان كاتبا يائسا أو معدما أو مريضا نفسيا، ومرضه ظاهر، بل إن بعض الأدباء المنتحرين أعطوا عن أنفسهم صورة لا تستوي معها فكرة الإقدام على الانتحار…
لكن العلم يحاول عقلنة الظواهر ومنها ظاهرة الإبداع وهو مسعى منطقي، لكنه قد لا يصل إلى نتيجة شافية كافية، ومن المستبعد أن يصل، ومع ذلك فإن غموض العملية الإبداعية والعوامل التي تشترك في تشكيلها لم تمنع الكتاب أنفسهم من التأمل فيها وطرح الإجابات تلو الإجابات عن كيف يكتبون، ومن أين يأتيهم الإلهام، وما الظروف المحيطة بالكتابة أو ما يسمونه الإلهام. من المستبعد أن يتحدث أحد منهم عن أنه مصاب بالاكتئاب أو يعاني من اضطرابات نفسية أو يحتاج إلى علاج نفسي أو الدخول إلى مصحة، ولن نحتاج بالضرورة إلى البحث عما إذا كان لدينا مجانين أو مجنونات مختبئون وراء القصائد، لكننا نحتاج إلى معرفة أعمق بالعمل الإبداعي نفسه والعوامل التي تشترك في تشكيله، لأن من ذلك معرفة أعمق بالعقل البشري بمخيلته وطاقاته وتأثير البيئة والتاريخ الشخصي على ذلك العقل وما يؤديه من وظائف تنعكس على ما ينتجه من فكر أو إبداع، ولنتذكر أن السؤال عن الشعر ينسحب ليس على الأدب وحده وإنما على الفكر بل العلم نفسه بشكل عام.
( الحقيقة ) تطرح من خلال هذا التحقيق تساؤلات عدة حول رؤية المبدعين لواقعهم وهل سقطوا بضربة الواقع القاسية وكل منهم يعيش اكتئاباً؟ أم ما زال هناك شيء باق في داخلهم من تلويحة أمل أو إشارة على الطريق؟ فماذا يبقى للمجتمع إذا دخل مبدعوه إلى دوامة اليأس والإحباط وسقطوا في هوة الاكتئاب واعتزلوا الناس؟!
تحقيق ـ سناء الحافي
ان ما توصلت إليه دراسة نفسية أجراها باحث أمريكي ضمن مبحث عام حول علاقة الإبداع بالاضطرابات النفسية والعقلية أسهم فيها باحثون غربيون آخرون، أمريكيون في المقام الأول. الباحث المشار إليه، وهو جيمس كوفمان، الذي نشر في عام 2001 بحثاً في “مجلة السلوك الإبداعي بعنوان “تأثير سيلفيا بلاث: المرض العقلي لدى مشاهير الكتاب المبدعين” اشتمل على نتيجة تقول إنه من بين 1629 كاتباً أصيبوا بأمراض عقلية أو نفسية وقام الباحث بتحليل حالاتهم كانت نسبة الشاعرات هي الأعلى، أي أنهن الأكثر عرضة للأمراض العقلية والاضطرابات النفسية من نظرائهن الرجال، وفي بحث آخر أجراه الباحث نفسه بعد ذلك بسنوات اشتمل على 520 حالة من أشخاص من مختلف مجالات الإبداع كالكتابة والتمثيل والموسيقى وجد مرة أخرى أن الشاعرات هن الأكثر عرضة للأمراض العقلية والنفسية.
المبدعون .. ذوي الشخصيات فوق السوية
كما يقسّم المختصون بعلم النفس الإكلينيكي الشخصيات استنادا” إلى صحتهم النفسية إلى ثلاث فئات الأولى ذوي الشخصيات السوية والثانية ذوي الشخصيات تحت السوية Sub Normal characters والثالثة ذوي الشخصيات فوق السوية ، وان المبدعين من الفئة الثالثة فهم شاذون ولكن شذوذهم نحو الأعلى وليس نحو الأسفل حيث يرى الفرويديون أن الإبداع يحصل عندما يتسامى الفرد على دوافعه الأولية والغريزية الى هدف أسمى من الناحية الأخلاقية والاجتماعية فالشخص الذي يفشل في الزواج من حبيبته سوف يبقى يتصارع مع هذا الأمر في نفسه مما قد يخرج عملا” إبداعيا” على شكل قصيدة إبداعية أو عملا” فنيا” قد يكون نحتا” لتمثال يشبه حبيبته .
المبدع العربي.. أعقد كائن حي خلقه الله!
و يقول د. سعد البازعي استناداً على بعض الدراسات و الابحاث لا نملك في الدراسات العربية، حسب علمي، دراسات حول هذا الموضوع الذي ما يزال حتى في الدراسات الغربية محدوداً، وهذه المحدودية تعود إلى سبب رئيسي تعرضت له الباحثة الرويسان في رسالتها وهو ضعف الصلة بين البحث العلمي والدراسات الأدبية النقدية.
كأنما توجد هوة بين الفضائين، فضاء التأمل العلمي البحثي المنطلق من مختبرات وأرقام ومناهج علمية بحتة والدراسات الأدبية بمنحاها الإنساني. ومع أنني لست من الداعين إلى إغراق الدارسات الأدبية بالمناهج العلمية الطبيعية، فإن ضعف النظر العلمي في الدراسات الأدبية، النظر الشائع في العلوم المعروفة بالطبيعية، من شأنه دفع تلك الدراسات نحو المزيد من الانطباعية والقليل من المحصول المعرفي. بالتأكيد لا أود أن أرى الشعر العربي أو غير العربي يخضع لعملية استكشاف إحصائية ووقائعية فتجفف جماله الجداول والرسوم البيانية، كما فعلت إلى حد ما الدراسات الأسلوبية والبنيوية بشكل خاص، ولكني لا أود أيضاً، وأزعم أن كثيرين غيري لا يودون، أن يتوارى الهاجس العلمي المعرفي تماماً لتهيم القراءات النقدية في وديان عبقر التأمل الذاتي الذي لا يحتكم إلى معايير ولا يرى كبير أهمية للأسانيد والشواهد.)
أسباب انتحار المبدعين .. بين الاندفاع والانفعال النفسي!!
و يضيف د. عصام عبد العزيز المعموري بهذا الشأن : ( ليس من السهل الإلمام بأسباب انتحار المبدعين لأننا نتعامل مع أعقد كائن حي خلقه الله ألا وهو الإنسان ولكن أمامنا جملة من الحقائق حول المبدعين والعملية الإبداعية يمكن ذكر بعضها لكي نلم ببعض من جوانب هذا الموضوع الشائك يمكن ذكر بعضها كالآتي :
-1يمتلك المبدعون جملة من الخصائص النفسية منها أنهم يجمعون بين بعض التناقضات أو المتعارضات تكمن في شخصياتهم ، فترى المبدع يجمع بين بعض التناقضات كالتحرر والسيطرة على الذات ، ثائر لكنه لا يعمل ضد المعايير الاجتماعية ، يتميز بالاندفاع وسرعة الاستثارة وعدم ضبطه لتعبيراته الانفعالية ، لكنه في نفس الوقت يتميز بقوة الإرادة واحترام المطالب الاجتماعية والطموح والقدرة على ضبط الانفعالات ، وان هذا كله يعني أن المبدع يعاني توترا” شديدا” للتوفيق بين المتعارضات الكامنة في طبيعته مع محاولته تحمل ذلك التوتر والحد منه .
2 – من الصفات السلبية لدى المبدعين كما أوردها عالما النفس الأمريكيان ( تورانس 1981 ) و ( سمث 1966 ) : – عدم المبالاة بالتقاليد والأعراف – العناد – حب السيطرة – اهتمام متدن بالتفاصيل – شرود الذهن – السخرية – عدم الرغبة في التواصل مع الآخرين – المزاجية – الإفراط العاطفي والشعوري – الفوضى
3 – يعيش المبدع في أغلب الأحيان حالة من الاغتراب ، وهذه الحالة تجعله دائم التذمر من الواقع فها هو ( أدونيس ) في كتابه ( الثابت والمتحول ) يقول : ( إن العقل العربي عقل متبع لا مبدع وان الثقافة العربية ثقافة إتباع لا إبداع وتنفرد بخصائص ثلاث هي : الخاصية اللاهوتية التي تتمثل في الغيبية المطلقة وخاصية الفصل بين المعنى والكلام وتفضيل الكتابة على الخطابة وخاصية التناقض مع الحداثة والتمحور حول الماضي ) ويقول ( الماغوط ) : ( إنني أعيش في حقبة إنسانية لا تسمح للإنسان بأن يشارك في صنع قدره أكثر من تسريح شعره وتزرير السترة ) إن علاقة المبدع بالمحيطين به أشبه بعلاقة الفلسفة بالتكنولوجيا الحديثة التي وصفها الأديب ( نصيف فلك ) يوما وصفا بلاغيا بقوله : ( إن لغز الحياة وسحرها العظيم ليس في الجواب بل في صياغة الأسئلة الكبرى وان حشدا من الفلاسفة سقطوا في فخ الجواب ).
4 – من ملاحظاتي الخاصة أن أكثر المبدعين قد تألقوا في اختصاصات تقع خارج اختصاصاتهم فترى أن (منير بعلبكي) صاحب القاموس الشهير كان تخصصه التاريخ و ( يوسف عبد المسيح ثروة ) كان بارعا” في الترجمة والكتابة المسرحية رغم أنه كان خريجا” للدراسة الإعدادية فحسب ، و( محمد حسنين هيكل ) الصحفي المتألق لم يدرس الإعلام في كلية متخصصة ، وتعلم اللغة الانكليزية تعلما” ذاتيا” وتألق في الترجمة ، و ( عباس محمود العقاد ) لم يكمل سوى الابتدائية ، وغيرهم كثير .
5 – من الملاحظ أن المبدع عندما ينتحر فانه يفعل ذلك بطريقة لا تترك له مجالا” للإنقاذ فلم نسمع يوما” أن مبدعا” انتحر بتناول أقراص منومة أو رمى نفسه بأحد الأنهار أو بأية طريقة أخرى تترك له فرصة للإنقاذ.
قامات أدبية ونهايات اضطرارية!
و لو نستعرض أسباب الانتحار لدى المبدعين فإننا نجد أن لبعضهم أسبابا” واضحة تختلف من شخص لآخر بينما لانجد أسبابا” واضحة لانتحار البعض والأسماء الآتية توضح ذلك : – الأديب الأردني ( تيسير سبول ) الذي انتحر قبل أن يصل الأربعين ولا تزال ذكرى روايته الممتازة ( أنت منذ اليوم ) عالقة في الأذهان .
-الكاتب ( إسماعيل أدهم)ألقى بنفسه في البحر بعد أن وزع الشوكولاته على الأطفال
– انتحار الكاتبة ( أروى صالح ) و ( عنايات الزيات) و ( درية شفيق ) التي ألقت بنفسها من الطابق السادس.
-الشاعر الكبير ( خليل حاوي ) فقد كان سبب انتحاره هو دخول إسرائيل إلى بيروت وما قابله من صمت عربي مفجع له فوصلت به حالة الغضب إلى الانتحار .
في الأول من آب عام 1997 توقف قلب الأكاديمية أستاذة الأدب الروسي في جامعة بغداد كلية الآداب ثم كلية اللغات والشاعرة ( د. حياة شرارة ) التي ولدت عام 1935 في مدينة النجف في حادث انتحار مأساوي مع ابنتها الشابة ( مها ) والذي كان صدمة شنيعة لكل من عرف الفقيدة أو سمع عنها أو قرأ لها وكذلك في الأوساط الأدبية وطلابها وأثارت تلك الحادثة الكبيرة الكثير من اللغط والتساؤلات إن كان انتحارا فعلا أم أن هناك يدا خفية للسلطة آنذاك ، وعلى كل حال فالحصيلة إن كانت السلطة وراء الانتحار سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وبعد صدور رواية (إذا الأيام أغسقت) للفقيدة وبمقدمة رائعة بقلم السيدة بلقيس شرارة أشارت السيدة بلقيس في تلك المقدمة وكتاباتها اللاحقة عن الفقيدة أن الحادثة كانت انتحارا وبدون أي تفاصيل حيث كتبت في الجزء الأخير من تلك المقدمة.
– في عام 2007 م فجع الوسط الثقافي العراقي بانتحار الروائي ( مهدي علي الراضي ) وهو الذي عاش منذ عام 1978 في المنفى بعيدا” عن وطنه ولكنه يبدو انه فقد الأمل في استعادة العافية والسلام لوطنه فمات حلمه بالعودة إليه لذلك اختار الموت . أما حالات الصعلكة والتشرد الإرادي واللاإرادي التي عاشها المبدعون فهي حالة خاصة من حالات الانتحار فها هو الشاعر العراقي ( عبد الأمير الحصيري ) الذي كان ينام في الحدائق والساحات العامة والشوارع وكان مكان وفاته ( فندق الكوثر ) في بغداد وكان يردد العبارة الآتية : ( أنا شيخ الصعاليك منذ ابتداء الزمان).
موت المتنبي… انتحاراً أم كمداً…!
روت كتب التراث العربي أن شاعر العربية الأول «المتنبي»، مات بسبب قرار أشبه بالانتحار. فقد ملّ تجاهل الخليفة العباسي «سيف الدولة»، واتجه إلى مصر ليثني على «كافور الإخشيدي» الخليفة حاكم مصر، فإذا بالرجل لا يفهم في الشعر، ولا في أسرار جماله، فعاد وقرر الشاعر ترك مصر، وفيما هو على طريق الترحال، قابله قاطع الطريق «الضبة» الذي أهان «المتنبي» وتفوّه بما لا يليق بمقام شاعر في مثل قامته. لم يشأ أن يطاحنه وفضّل المسالمة، فإذا بخادمه اللئيم ولجهله، يعاتب «المتنبي» وهو صاحب القصائد في السيف والمواجهة. فما كان من الشاعر إلا أن عاد إلى غريمه وواجهه في معركة غير متكافئة، سواء في العمر أو في فنون المقاتلة، فسقط «المتنبي» قتيلاً في مواجهة أشبه بالانتحار…
الانتحار وجه آخر للهروب..!!
و يشير الكاتب عدنان المومني في حديثه لنا الى ان الشاعر هو إنساني جداً ومرهف المشاعر وهذا الإرهاف يشكل بنية نفسية مختلفة والشاعر كغيره من الناس يوجد في عالم مليء بالتناقضات لكنه يختلف عن غيره بطريقة وسرعة الإستجابة وطبعاً أى جرعة زائدة في الإستجابة تخلق معاني مختلفة فأحياناً طبيعة تعامل الشعراء مع النقد الموجه لهم له أثر كبير على حالتهم النفسية واتذكر أحد الأدباء وجهت له إنتقادات حادة في أواخر أيامه مما جعله يفرط في تناول الخمور ويعتبر هذا الإفراط نوعاً من الإنتحار كما هو نوع من الهروب من الواقع يمكن قياسه بالإنتحار وما يمكن ان يقال عن ان النقد اللاذع قد يكون سبباً في إنتحار الشعراء يجعلنا نشبه نفسياتهم بالنفسيات الطفولية والتي تتطلب الإعتناء والإحتفاء ويظهر ذلك في أن الكثير من الشعراء والمبدعين توقفوا عن فعلهم بعد توجيه نقد لاذع لهم.)
ختاماً..نتساءل عن أي وصف يمكنه أن يعبر عن هاجس الأديب الذي فجأة يضع حدا لوجوده بنقطة تستثني كل الأبجديات لتقف في آخر المشوار الذي ما فتئ أن ابتدأ واختار بذلك النّهاية الاضطرارية لرحلته، ليبقى التساؤل قائماً حول ظاهرة الانتحار : هل هي ظاهرة أدبية أم هي حتمية لوضع حد لأزمة عقل أم أزمة حياة؟!….





_1617644865.jpg)



