ثقافة شعبية

ايقونة الطمأنينة والأمن … الحارس الليلي.. صفارة تطرد وحشة الليل ولصوصه

كاظم لازم

 

المحلة التي غفت منذ ساعات المساء الاولى تبدو ازقتها الضيقة مثل افعى تتلوى ليكسر صمت هدوئها صوت مبحوح صارخاً من فوق احد السطوح (حرامي الزمه حرامي). يستقيظ اهل المحلة هلعين ليشاهدوا الحرامي الذي ابتلعه زقاق طويل وهو يعدو باقصى سرعته اللصوصية ليبدأ بعدها ضجيج صفارات ليلية تنتهي بمشاهدة احد شباب المحلة الذين طاردوه مطمئنين فأخرج الناس رؤوسهم من فوق سطوح منازلهم قائلاً: الحمدلله.. لقد أمسك به الحراس الليليون . 

 مهنة الأمان

واحدة من الحكايات الكثيرة التي تختزنها ذاكرة الحارس الليلي (ابو جبار) الذي امضى اكثر من عشرة اعوام وهو يعمل في هذه المهنة التي مثلت الامن والامان والطمأنينة في نفوس الناس المتعبة من عناء اعمال النهار.. يسرد ابو جبار عندما قدمت اوراقي الى مركز الشرطة في منطقة باب الشيخ فقد استهوتني مهنة الحارس الليلي كمكسب اضافي لما احصل عليه من عمل”العتالة” في منطقة الصدرية.. وتمضي الايام ليشاهدني اهالي المنطقة وانا ارتدي البنطلون الخاكي واليشماغ الاحمر والعقال الذي كتبت فوقه علامة الشرطة اضافة للرقم المعدني الذي علقته على صدري، ويمضي ابو جبار مستذكراً حيث يضيف.. ابدأ عملي في المساء فبعد جولة قصيرة للتأكد من خلالها واراقب فيها اقفال ابواب البيوت والدكاكين اطلق صفارتي لتصل الى افراد دورية الشرطة ,وقد صادفني اثناء عملي الكثير من الحوادث، فواجبنا ليس منع اللصوص فقط بل تعداه الى مساعدة ابناء المحلة اثناء تعرضهم ليلاً الى الحوادث كالحريق او المرض .

يعود تأسيس مهنة الحراس الليليين كما قال الباحث الاجتماعي اسعد حسين الى عام 1921 للميلاد حيث تم ربطهم بمراكز الشرطة وكانت مهمتهم الحماية من السرقات في مناطق عملهم.ويتابع الباحث مضيفا:لهذه المهنة علامة فارقة في تاريخ الموروث الشعبي البغدادي بل وسائر مدن ومحافظات العراق ، فقديماً كانوا يطلقون عليها كلمة”الجرخجي” وهي كلمة تركية فكلمة”جرخ” يعني دائر او او دورة والاسم متأت من دورانه في الازقة والحارات ويسمى احيانا” بالنوبجي” ويعني الذي ياتي بالنوبة أي بوقت معين او فترة عمل محدود، كما يسموه في الجنوب “بالبعونجي” واحيانا بالوحاش لانه يخرج في وحشة الليل، اما في البلدان العربية ومنها مصر فيسمى بالخفير وغالبا ما كان يضيف في هذه المهنة افراد الشرطة المتقاعدين لخبرتهم في استخدام السلاح كذلك لبلوغ اعمارهم الاربعين عاما وهو السن المطلوب في تعيين الحراس الليليين.

 صفارة الأمان

ويمضي الباحث مضيفاً: وفي التسعينيات بعد سنوات الحصار على العراق استمر الارتباط بمراكز الشرطة وقد تم تغيير مهنتهم من حراس ليليين الى حراس اهليين وصار لزاماً على العائلة  ان تدفع لهم مبلغاً من المال يضاف اليه مبلغ اخر عند وجود سيارة لدى العائلة ولكن هذه التجربة سادها الكثير من الخلل بعد ان صار المتنفذون من الرفاق الحزبيين ياخذون مبالغ كبيرة من اصحاب المصالح والمحال التجارية الكبيرة وكانها اتوات وضرائب مقابل حمايتهم ليصيب الانهيار هذه المهنة التي دخل عليها المنتفعون والمستغلون بعد ان كانت صفارتهم هي جرس الامان للعوائل التي تنام دون ان ينتابها احساس بان هناك من يهددها من لصوص اختلفت طرق سرقاتهم الليلية.يتحول هؤلاء الحراس في نهاية التسعينيات الى طارقي ابواب الناس في صباح ايام الاعياد طالبين العيديات لاشخاص لم يروهم في مناطقهم لا في الليل ولا في النهار.اما التدريسي غانم هجول فقد تحدث عن هذه المهنة قائلاً: ان هذه المهنة شرفها وقدسيتها وهي امتداد لمهنة”العسس” في عهد الخلفاء الراشدين و(العسس) هو شدة الظلام ,منهم يطوفون على الناس لحراستهم اثناء نومهم وراحتهم فقد كانوا يحترمون اهالي المحلة والذاكرة تحفط العديد من الحكايات بما فيها تحفظ العديد من الحكايات بما فيها من حداث وطرائف.فالكثير منهم يستقبل آخر الليل عددا من الشباب الذين تلفظهم الملاهي الليلية وفي ساعات متأخرة ليقوموا بايصالهم الى بيوتهم ليطرقوا لهم ابوابها بعد ان فقد البعض منهم عناوينها.   

 سرقة طريفة

الحارس الليلي الحاج ابو ستار كان يعمل في منطقة الدورة تذكر حادثة طريفة جدا أثناء واجبه الليلي الذي تعود فيه ان يجوب الأزقة ويطلق صافرته حينما يشعر بوقع اقدام الغرباء او القادمين اليه من مسافة بعيدة قائلا: كنا نحرص خلال الواجب الليلي مع زميلي  الأخ ابو محمد الذي كان يرافقني في كل جولاتي الليلية السير ببطء شديد قرب مواقف السيارات والبيوت الفارهة خشية ان تتعرض الى السرقة، وفي احدى الليالي الجميلة كنا نسير كالعادة قرب احد البيوت الفارهة ونغني بصوت خفيض احدى الأغاني العراقية التي تعودنا على الدندنة بها قتلا للوقت ولكي نهزم النعاس فإذا بنا نسمع صوت صفارة لحارس ليلي ! هرعنا الى ذلك الصوت العجيب ففوجئنا بوجود احدهم يحمل فوق رأسه حملا سمينا ويهمّ للوصول الى سيارة تنتظره ولما ركضنا انا وزميلي ابو محمد وصلنا قرب الرجل الذي لم ينقطع عن اطلاق صفارته ففوجئنا انه كان يحمل فوق رأسه سجادة باهضة الثمن سرقها من احد البيوت الفارهة ولما رآنا مقبلين عليه استخدم صفارة الحارس لإيهام الناس بأنه الحارس الأمين ! فما كان علينا سوى القاء القبض عليه وايداع مركز الشرطة وبعدها كنا نتذكر تلك الحادثة بشيء من الضحك ونطلق المثل القائل : حاميها حراميها!!.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان