ثقافة شعبية

وجدان عبدالعزيز… نعيم آل مسافر في ديوانه (كبوة جواد) مفارقات حادة

 وجدان عبدالعزيز 

 

  الشعر عالم ينطوي على الكثير من النزوعات الفلسفية كونه يتعامل مع الكليات والأشياء الاحتمالية ، لذا فهو يبحث عن قيم الجمال وإظهارها بالمظهر المؤثر للعواطف وإثارة الوجدان وهذه القدرة لها اختلافاتها تبعا للخصائص الفردية والاجتماعية التي يتحلى بها ذلك الأديب أو هذا ، يقول الدكتور عبد الواحد لؤلؤة : ( أحسب أن الشعر عموما والشعر العربي بخاصة كان دائما في حالة تجدد بوصفه كائنا حيا ، تجدد ينبع من داخله بالدرجة الأولى ، غير بعيد عن مؤثرات خارجية في ذلك التجدد أو تعيق توجهه هذه الوجهة أو تلك )

ونلاحظ من خلال مراحل التاريخ تصاعد وتيرة الأدب العربي الشعبي إلى جانب الإنتاج الأدبي في اللغة الفصحى ، حيث أخذ يعبر عن إرهاصات الإنسان وتطلعاته ، وهو ينوء تحت ثقل ضغوطات الحياة وأفاق التطلع نحو رحابها الجميلة ..  والشعر الشعبي العراقي أحد هذه الروافد التي أغدقت بعطائها الإنساني الثر وصبت في نهر الأدب العربي والعراقي وظهر نوابغ في هذا الشعر مرورا بأجيال مختلفة ومنها جيل بعض سقوط الدكتاتورية والذي بدأ الكثير منهم قبل هذا التاريخ بالكتابة ، ولكنهم برزوا بعد التغيير وأصبحت لهم بصمات واضحة .. ومنها شاعرنا نعيم ال مسافر وديوانه ( كبوة جواد ) والذي حمل الكثير من اللقطات والصور المعبرة والملونة بذاته التي تضمخت بالكثير من المعاناة والألم ، وكانت أشعاره تمتاز بالتلقائية والوضوح أي أنها تعاملت مع السهل الممتنع وابتعدت عن التعمية والغموض ، وازدادت صورتها هذه وضوحا ، لاسيما بعد التخلص من تعسف زمن الدكتاتورية الذي خنق المواهب وحاول قتلها وتجييرها لصالحه ، ثم ان آل المسافر حاول الصمت تارة والإعلان اخرى متوخيا الحذر والتقاط اللغة القريبة من النفس والملتزمة تجاه المواقف الاجتماعية والأخلاقية ، رغم انه مسكون بالحلم وهو (حلم شاعر) ، حيث ردد:

 (وكبر حلمي

وكبر قلمي

ومن عشت أول قضية ..

وسجلت اسمي بهوية)

(وطلع حلمي .. حلم شاعر ..

يكتب أعله الكاع شعره)

وهذا اعلان عن التزام أخلاقي تجاه إنتاجه الشعري وجعله ذا هوية وقضية والتزامات وطنية واجتماعية وأخلاقية بقوله :

  (من جنت عمري زغير

علموني أهلي بصلاتي

أدعي يارب يامجير

لبس العريان ربي

ربي شبع كل فقير

ربي رجع كل غريب

ربي رجع كل أسير

واستجاب الله دعائي

كله خير ..

كله !!!!)

  ورغم هذا الالتزام ، فأن الشاعر قد يغضب وينفعل كل مرة نتيجة ضغوطات الواقع وسير الأحداث بالمقلوب محاولا تقديم صورة مقلوبة هو الآخر تحاكي حلمه في مجتمع ينعم بالعدالة والحب ..

  (كله خير ..

كله !!!!

العاري فصّل جلده ثوب

وصار من الجوع شبعان الفقير

وأدمن الغربة الغريب

وللأسر رد الأسير)  

كناية عن صور الواقع المر ، وضمن هذا الالتزام الاجتماعي الأخلاقي صار بينه وبين اخيه في الغربة التقاء روحي لامرئي …

  (واكف أكبال المراية

واشبع من الشوف بيه

لكن أنه ..

من أرد ابوسك

باردة خدود المراية )

  يعني هناك التحام روحي بينه وبين أخيه من خلال المرآة وملامح الشبه في الصورة والجوهر ، ويبدو ان ضغوطات الواقع المحيط ، فرضت على الشاعر حالات إحباط ويأس ودوران حول الخروج من نفق القبح والضيم والآلام وعزز هذا من خلال قصيدة (ضمير) …

  (عندما شاعر يموت

بموتته ايصحي الضمير

والضماير من تموت أتصحي شاعر

آنه حاضر ..

وأنته حاضر ..

عدنه لاشاعر يموت

ودوم ما تصحه الضماير)

  وهذا الإحباط جعل الشاعر يجنح نحو المفارقات في قصيدته (الوالي) ، ثم انه أسس مواقفه الأخلاقية في قصيدة (المرثية) تلك التي تحدثت عن مكانة ابيه وبين فيها فلسفة الموت والحياة والسلوك الأخلاقي الحميد للذي يموت ويترك له بصمة كفيلة بخلوده وبقاء ذكره ، إذن الموت حتمي الفناء للجسد والبقاء لافتعال تركت أثرها في أذهان الباقين ، وتصاعدت مفارقاته الشعرية التي توضحت من خلالها صرخته بوجه الوضع المحيط كما في قصيدة (الذيب راعي) مثال : (لابديك ولابدية / نسمع بكل يوم ناعي / الذيب راعي /شتنظر منه الرعية؟ /يجبر المكتول كوة / يبيع جفنه / ويشتري لجتاله ديه) …

وتكورت كل المعاني تقريبا المتوخاة من ديوان (كبوة جواد) في القصيدة التي تحملت قيادة القصائد ومحورتها ضمن المعنى العام المصرح به من قبل الشاعر آل المسافر ، وكما نوهنا هناك التزام أخلاقي وهوية ثابتة له تلمسناها من خلال قصائد هذا الديوان ، وحينما نستمر بقراءة هذه المعاناة ، وهي قراءة للواقع الذي يكتنف كل تطلعاته التي عمقها بصور شعرية جاءت بلغة مصرح بها ، ولاسيما في قصيدة (حطب) التي يقول فيها :

  (جبنه عمرنه حطب

وحماله لهل الحطب

وجبنه عمرنه نخل

ما يوم أكلنه رطب

الله يا هل وطن

الله يا هل الشعب

لا فادك الطاغية

ولا فادك المنتخب

مثل الجمل بالسفر

لمن يحمل ذهب

ومن توصل القافلة

حصتنه بس التعب)  

وهكذا جهر بكل جرأة مشوبة بالانفعال وذم وضع الدكتاتورية وما بعدها بسبب تراكم ثقافة التعسف والتسلط التي عانى منها المجتمع العراقي ، وهنا خلط الشاعر الذاتية مع الموضوعية ، وهذا الخليط وثق الرأي بأنه التزامه اخلاقي تجاه قضايا المجتمع والوطن والمواطن .. وعلى إيقاع سريع كانت محاولاته المستمرة في أشعاره ، هي ثبيت المفارقة بالصور الشعرية وترك المتلقي منحازا لذلك الجمال المستحصل من خلال هذه الصور ..

  (آنه طبعا مو مثالي

وأنته قطعا مو رديء

وآنه مو كلش صبور

وأنته مو كلش جريء

آنه اوج نار بحركتك

وأنته تدفه وتستضيء

آنه جلاد وضحية

وأنته مذنب مو بريء

آنه رحتك من ذبحتك

وأنته تذبح بالبطيء)

  وبقيت صوره تترى لتعميق المسار الذي اختطه في ديوانه ، حيث اكتملت صورة الرفض التي تمثلت بقوى الظلام التي ذبحت العراقيين ، حيث برز الشاعر آل المسار صورة التشابيه بقصيدته التي حملت نفس الاسم لاجترار قصة الحسين عليه السلام وثورته العظيمة ضد الطغيان مقابل ما يظهر لنا الآن …

  (أمس جنت آنه حاضر بالتشابيه

وخذت دور الحسين وشمر لاكاني

يريد ايحز وريدي مجرد السيف

وبجه اعليه شمر وابجيه بجاني

اذن حكه شمرهم يذبح الف حسين

اذا حته شمرنه يصير رحماني

التشابيه بوطنه مو تشابيه

صارت بالصدك تطبيق ميداني

نفس الذبح والخطف والتفخيخ

مسلم يدعي الذباح والجاني

لان اطفالنا اويه اطفال الحسين

عبد الله الرضيع يواسي رضعاني

ونفس السلب سكنه وباك الخيام

استلم منصب جديد ونفسه باكاني)

  وتثبيتا للمبادئ التي يحملها الشاعر سواء كان في وعيه او يعيش لحظات شعرية لاواعيه ، وهي رؤيته في الخلود ولاسيما خلود القيم ومبادئ الخير والجمال (موفقيد .. المات من اجل المبادئ .. / موفقيد / ينولد لمن يموت .. /ويوم موته ايصير اول .. /يوم من عمره الجديد ) ، لان (حال الوكت) (والوكت باقي اعله حاله) و(لاتكلي كل طعم طيب تغير) ، بعد هذا ينفعل الشاعر بقوله :

  (تموت كلها ويندفن كلمن يموت

وخالد يظل الفكر ما يندفن

انكر ال (آه) الذليلة

ونادي (لا)

تبقة شامخ للأبد ما تنغبن)

  ضمن منظومته ، أي منظومة المبادئ وهو تأكيد وتعميق لها وهذا ما اسلفنا في بداية دخولنا ديوان (كبوة جواد) ، وكان يردد : (وظل دوم القلق وياي بيات) ليثبت ان الشعر قلق مستمر كونه يعكس فلسفة الشاعر ، حيث (يفترق الفلاسفة في ضوء تحديد طبيعة المدرك في بحث الادراك بين موصد لنافذة القلب والوجدان ، ساخر بهذا المسلك المعرفي ـ كما هو الحال لدى الفلاسفة الماديين عموما ـ وبين فاتح بابي القلب والوجدان امام العيان ، كما نجدها عند العرفاء والصوفية منذ سالف الايام ، ونجدها حديثا لدى برجسون وياسبرز واقبال .) ونجدها عند شاعرنا آل المسافر ، لتكون الفلسفة عنده حرية يجتر من خلالها التحديد واللاتحديد في تحديد رؤيته للاشياء ويتصاعد قلقه ، حتى وهو في غزل الحبيب كما في قصيدة (شمعة وهوى) كما انه ركز قلقه في قلب مضامين الاشياء متعكزا على قضية الحسين التي ارقت الطغاة في كل عصر ومكان ، ويبقى الشاعر نعيم آل المسافر يستثمر تراث الامة باتجاه تأكيد المبادئ الاخلاقية والاجتماعية…

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان