أسدل الستار على فعاليات الدورة الحادية والسبعين من مهرجان “البندقية” السينمائي الدولي بفوز فيلم المخرج السويدي روي أندرسون “حمامة جالسة على غصن” بجائزة الأسد الذهبي, ومنحت لجنة التحكيم في المهرجان جائزتها الكبرى لفيلم المخرج جوشوا أوبنهايمر “نظرة الصمت”.
ودعا اندرسون لحظة تسلمه الجائزة إلى أن تكون السينما “انسانية”, كما استذكر باعتزاز المخرج الايطالي ورائد الواقعية الجديدة فيتوريو دي سيكا, واصفا فيلمه “سارق الدراجات” بأنه الفيلم الذي أثر فيه كثيرا.
ولأندرسون (71 عاما) فرادة اسلوبية واضحة, على الرغم من أنه لم يخرج سوى خمسة أفلام في حياته المهنية منذ سبعينات القرن الماضي (اول افلامه قصة حب سويدية عام 1970). ويمول اندرسون افلامه من عمله في الاعلانات التجارية التي انتج اكثر من 400 منها.
بطلا فيلم أندرسون هما جونثان (هولغر أندرسون), وسام (نيسي فيستبولم), بائعان يزوران مدينة غوتمبرغ, ويعرضان سلعهما للبيع ولا أحد يشتريها, وهي اسنان دراكولا وصندوق الضحك وقناع بلاستيكي لعجوز بسن واحدة, وكلما يفشلان في البيع يكرران عبارة “نريد أن نساعد الناس على أن يستمتعوا” رغم تجهم ملامحهما والكآبة الطاغية عليهما.
فأندرسون يسعى لامتاع جمهوره, لكن الكوميديا التي يقدمها تمتزج بالمرارة, واحساس فاجع بمأساوية الوجود الانساني. فهو يحفر في المسافة بين الالم والضحك, محاولا تقديم جماليات العادي واليومي والتافه والتعبير عن هموم الانسان الهامشي والمهمل والمستلب.
يصف اندرسون فيلمه الأخير بأنه “محاولة لعرض ما يمكن أن يكون وجودا إنسانيا”, ويغلف سعيه هذا في اطار من الكوميديا السوداء, فنراه يفتتح فيلمه بثلاث مشاهد تحمل عنوان لقاءات مع الموت.
وذهبت جائزة “الأسد الفضي” التي تمنح لأفضل مخرج الى الروسي اندريه كونتشالفسكي عن فيلم “ليالي ساعي البريد البيضاء”, الذي قدم فيه أسلوباً زاوج بين الروائي والوثائقي, عبر حكاية قرية صغيرة منعزلة على بحيرة في شمالي روسيا وفق “بي بي سي بالعربية”.
ونجح كونتشالفسكي في استثمار جماليات الطبيعة وعزلة شخصياته التي أداها ممثلون غير محترفين, ليقدم فيلما على قدر كبير من الجمال والاتقان, ومختلفا كليا عن مرحلته الهوليودية.
وعن استحقاق توج فيلم المخرج جوشوا أوينهايمر “نظرة الصمت” بجائزة لجنة التحكيم الكبرى.
وفي هذا الفيلم يواصل المخرج أوبنهايمر مشروعه الذي بدأه في فيلمه السابق “فعل القتل”, بمزيد من الغوص والتحليل والبحث في قصص إبادة أكثر من نصف مليون من الضحايا في اندونيسيا بعد الانقلاب العسكري على سوكارنو في منتصف الستينات, والتحول التدريجي للسلطة إلى الجنرال سوهارتو.
وإذا كانت ضربة أوبنهايمر الأساسية في الفيلم السابق هي عثوره على بعض قتلة الضحايا واقناعهم لإعادة تمثيل أفعالهم وفق اسلوب الأفلام السينمائية التي يحبونها, وسط حس عال من السخرية السوداء, والرصد الدقيق والتحليل لدوافعهم النفسية وانماطهم السلوكية ودوافعهم لارتكاب هذه الافعال الوحشية, فإنه في الفيلم الجديد يعود إلى منظور الضحايا (عبر الناجين منهم وعوائلهم) مقابل منظور القتلة, ويجمعهما في مشاهد مشتركة لتذكر الحدث من منظورات متناقضة, فيستجوب القتلة عبر شقيق أحد الضحايا, ثم يرصد استجابات وردود أفعال الطرفين.
وعلى الرغم من مشاركة أفلام لممثلين كبار في هذه الدورة, كما هي الحال مع آل باتشينو الذي اشترك في فيلمين, نافس احدهما فقط في المسابقة الرسمية, مايكل كيتون الذي ظهر في فيلم الافتتاح “بيردمان” وليام ديفو الذي جسد دور المخرج والكاتب الايطالي بيير باولو بازوليني, وفي الجانب النسائي مع تحارب ادائية قوية مع الممثلة الأذرية فاطمة معتمد اريا في فيلم “نبات”, والممثلة الصينية لو تشونغ في فيلم “ريد أمنيسيا”, الا ان جوائز التمثيل ذهبت الى ممثلين اقل شهرة هما آدم درايفر وألبا رورواشر عن فيلم “قلوب جائعة”.
ومنحت لجنة التحكيم التي ترأسها الموسيقار الفرنسي الكسندر ديسبلات, جائزة ماسترياني لأفضل موهبة تمثيلية واعدة للممثل رومان بول عن فيلم “ضربة المطرقة الاخيرة” والمقصود في الفيلم عصا الطبل في اشارة الى ضربات العصا على “الدرامز” في سيمفونية ماهلر السادسة التي بنيت احداث الفيلم عليها.
كما توجت المخرجة الإيرانية راخشان بني اعتماد بجائزة افضل سيناريو عن فيلمها المميز “حكايات” الذي شاركها في كتابته فريد مصطفاوي.
ومنحت لجنة التحكيم جائزة خاصة لفيلم “سيفاس” للمخرج التركي كان موجيدتشي الذي تناول فيه حكاية في احدى قرى الاناضول حيت تجري عمليات مصارعة الكلاب.
وكان للسينما العربية نصيبها في جوائز تظاهرة أفاق (أوريزونتي), عبر فوز المخرج الأردني ناجي أبو نوار بجائزة الاخراج عن فيلمه “ذيب”, الذي قدم محاولة ناجحة لصنع فيلم تشويق ومغامرة في بيئة بدوية.
وقد منحت الجائزة الكبرى في هذه التظاهرة للفيلم الهندي “محكمة” للمخرج جيتانا تامهاني, الذي يتناول فيه استغلال بطء النظام القضائي لاضطهاد المعارضين السياسيين في الهند, وقدم معالجة بسيطة وعميقة لموضوعاته, وتصويرا امينا لواقع الحياة في الهند وعلاقات القوة فيها.









