اراء وأفكار

المدخل الى سيمياء الإعلام

مازن لطيف

 

ان احدى اكثر طرق التفكير بالاعلام قوة وتأثيراً في زمننا هذا هي المقاربة التي تعرف بالسيمياء او السميولوجيا، وتشق المفردتان من الكلمة اليونانية “semein” والتي تعني “علامة” او اشارة السيمياء هي طريقة تحليل المعاني بواسطة النظر الى العلامات والكلمات مثلاً وكذلك الصور والرموز وسواها التي توصل المعاني.

ولان المجتمع مغطى تماماً بالرسائل الاعلامية فان وسع السيميائيات ان تسهم الى مدى ابعد من حدود فهمنا للاعلام بالمعنى الضيق، اي باعتباره مجموع منتجات اعلامية عامة.

في الكتاب الصادر حديثاً “مدخل الى سيمياء الاعلام” تاليف جوناثان بيغنل الذي يبدا في كتابه من فرضية بان لا معرفة مسبقة للقارىء بالسيمياء وكذلك من الفرضية ان له بعض المعرفة بانواع الاعلام السائد في الثقافة البريطانية والامريكية يرى المؤلف ان الاعلام حقل تخصصي  وتنافسي عال والذين يعملون في صناعة الاعلانات هم عادة اناس خلاقون وذو ثقافة واسعة وبعض هؤلاء درسوا السيمياء باعتبارهم جزءا من ثقافتهم التخصصية او الاكاديمية وقد اصبح السيمياء تسخدم في صناعة الاعلان بهدف جعل الاعلان اكثر قوة وفاعلية.

ويرى المؤلف ان نظرية الايديولوجيا مفيدة في تحليل الاعلانات وذلك لاظهار كيف تروج الاعلانات للافكار الخرافية حول الفرد الذات كمستهلك وحول العلاقات الاجتماعية ومجتمع الاستهلاك ويرى ان القارئ وبالرغم من فاعليته الواضحة نسبياً  الا انه كان يدفع دفعاً بان يجمع معاً الايحاءات المختلفة للاعلانات بنىً من المعاني المتماسكة نسبياً.

ان احدى الجوانب المهمة في خطابات الصحف  هي الطريقة التي تخاطب بها هذه الصحف قراءها ،فالعلامات اللغوية المحددة وطرائق دمجها وفق تشفيرات مقبولة اجتماعياً توحي ان خطاب الصحيفة هي احدى علامات خطاب القارئ نفسه اي هو يتمثل فرضيات الخطاب الذهني للقارئ.

وبعد ان تناول الكاتب الصحف من خلال التحليل السيميائي للعلامات الايقونية واللغوية التي توصل الاخبار او المعاني الاجتماعية الخرافية في خطاب الاخبار واهميته من الناحية الايدولوجية تناول موضوع الاخبار في التلفزيون كونها “الاخبار” تحتل موقعاً مميزاً في برامج الفضائيات تتولى وعلى مدار الساعة تقديم البرامج الاخبارية بينما تذيع كل المحطات التلفزيونية الارضية نشرات الاخبار مرات عدة طوال اليوم.

اطول النشرات الاخبارية تكون اول السهرة اي في الوقت الذي يكون فيه الناس قد عادوا من العمل وفي نهاية “فترة الذروة” اي فترة اواسط السهرة حيث تبدأ برامج الترفيه العائلية الجامعة تخلي الساحة باتجاه برامج للجمهور الاكثر سناً وتعتمد غالب النصوص الاخبارية على استخدام انواع مختلفة من المقاطع البصرية وعلى اللجوء الى متحدثين متنوعي المشارب بهدف جعل الاخبار اكثر تنوعاً وتشويقاً فإن الحد الاقصى من الاخبار التي تظهر على التلفزيون يجري تركيزها في مقاطع بصرية اي سلسة من الصور مع اعتبار الصور الواقعية هي النوع الطاغي من العلامات في اخبار التلفزيون فالعلامات الفوتغرافية الايقونية هي في الاصل غامضة من حيث المعنى وبسبب من طابع الايحاء المتضمن فيها .

ويرى المؤلف انه لاتكتفي برامج التلفزيون بالسرد القصصي وحسب(فخطاب الاخبار هو سرد ايضاً) بل ان الغرض الحقيقي من السرد التلفزيوني برمته هو الاحتفاظ بالمشاهد عبر العلامات اللفظية والصورية التي تتولى الامتاع او الاعلام لذلك تبدأ الكاميرا التلفزيونية اكثر حركة من الكاميرا السينمائية بحيث تغدو لحظات الصمت نادرة والتحليل السيميائي للتلفزيون لحد الان هو اكثر تركيزا على الصورة منه على الصوت ولكن يبقى للصوت اهمية خاصة في السرد التلفزيوني وفي طريقة مخاطبة المشاهد .

وعن السينما يرى المؤلف ان معاني الافلام تعتمد على نحو واضح على كيفية بناء العلاقات البصرية والشفوية لقصة الفيلم وطريقة سردها وكيف يؤثر الفيلم لادوار الشخصيات عبر استدعاء الشفرات السلوكية المصطلح عليها والتعارضات بين الافكار المتضمنة بالفيلم، ومع ذلك فان قراءة الجمهور للفيلم لا تولد من ماهو موجود من داخل الاطار، فالفيلم، كل فيلم، إنما يشاهد في سياق اجتماعي معين والجانب الصناعي والتجاري من الفيلم و بعض ذلك السياق في ما تخضع جوانب اخرى فيه لسياقات مغايرة .

يرى المؤلف في ختام كتابه ان اهم اسهامات السيمياء في عملية فهمنا للحياة الاجتماعية انما تتأتى من ذهابها عكس الفهم اليومي الشائع. فبدلاً من التفكير باللغة كاداة للتعبير عن الفكر مكنتنا لغويات سوسور من رؤية ان الفكر نفسه انما يتكون بواسطة اللغة، وهكذا اصر بارت، وغيره من السيميائيين البنيويين انه بدل “القول” ان الثقافة البشرية قد ابتنيت على قاعدة الطبيعة البشرية والقول ان ثقافتنا هي التي تعطينا فرضياتنا حول الطبيعة البشرية، ويذهب المفكرون السيميائيون ما بعد البنيويين وفق السياق تطور السيمياء الى اختصاص ، الى ان صدقية هذا الخطاب المقلق الذي يهز الثقافة والمجتمع لاتستطيع ان تصل الى حد الادعاء الى انه علم كوني في كل شيء فالسيمياء نفسها هي خطاب اكثر مما هي حقائق موضوعية علمية مجردة القيم. وهذا يطيح بالدعوى الاصلية للسيمياء ويجعلها عاجزة عن الوفاء بوعودها، وعليه بدلاً ان تتحرك السيمياء اكثرالى الامام نحو المزيد من التأسيس لحقائقها تحركت بالواقع الى الخارج للتحول الى مكون اخر من المكونات المتعددة من منهجيات حقول اختصاصات عدة ،كدراسات الاعلام والتحليل النفسي ،والانثروبوجيا، و تاريخ الفن، والعمارة او سواها .

الكتاب مهم جداً لطالب الاعلام والناقد الاعلامي حيث يكتسب اهمية استثنائية في التحليل العميق للعلامات والاشارات التي ينطوي عليها الخطاب الاعلامي بالتلفزيون والمجلات النسائية والرجالية والصحف والمسلسلات والسينما وتلفزيون الواقع وصولاً الى علامات الكمبيوتر ودولالاتها.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان