حوارات وتحقيقات

صناعة النسيج في العراق: التراث الشعبي بين الاستيراد العشوائي وغياب الرقابة

تعد صناعة النسيج  من أقدم الصناعات التي عرفها الإنسان وكغيرها من الصناعات القديمة  و قد عرفت تطوراً كبيراً منذ نشأتها نتيجة التقدم العلمي والتكنولوجي خاصة منذ عهد الثورة الصناعية في أوروبا والتي غيرت الكثير من أوجه الحياة في العالم، نظرا لاحتياج الإنسان للملبس كاحتياجه للمأكل والمشرب والمسكن… ويعكس اختلاف النسيج اختلاف الحضارات والثقافات فلكل دولة طابعها المميز في الألوان والأنسجة المستخدمة في الملابس والمفروشات، حيث أنها تعد ايضا من أهم الحرف التقليدية التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ في العراق حرفة حياكة النسيج، حيث عرفها الإنسان وتوارثها جيلا بعد جيل، واستطاعت أن تلبي معظم حاجيات السكان من الملبوسات وغيرها مما يدخل في صناعتها الخيوط النسيجية.اذ تميزت المنسوجات العراقية منذ عقود بأناقتها ومتانتها ودقة صناعتها ..وكان تسويقها يضاهي اجود المنتجات الاجنبية، وربحت المنسوجات المنافسة مع المنتوج المحلي لمدة طويلة، الا ان الحصار الذي ادى الى تقادم المكائن وادوات الصناعة، فضلا عن انفتاح السوق، وتعثر الكهرباء، وتردي الوضع الامني اثناء السنوات الماضية، كلها اسباب ادت الى تراجع الصناعات التقليدية المحلية،ولاسيما على الصعيد الحكومي المتمثل في الشركة العامة للصناعات الحرفية التي كانت تعد منتجاتها فخر الصناعة الوطنية العراقية.
ولكن للاسف ان هذه الصناعة شانها شان الصناعات الاخرى تعرضت الى انتكاسة بعد احداث 2003، مما ادى الى ايقاف الكثير من المعامل الاهلية ذات القطاع الخاص …بسبب غياب الرقابة على المنتجات المستوردة التي غزت الاسواق وعدم تشريع قوانين مثل قانون حماية المنتج وقانون حماية المستهلك، والتعرفة الجمركية  التي اثرت سلبا على هذه الصناعة مما جعلها شبه متوقفة حاليا.الحقيقة من خلال هذا التحقيق ترصد أهم المعوقات و الاسباب التي أدت الى تراجع هذه الصناعة ، هادفة بذلك الى تنوير الرأي العام بأهميتها و قيمتها الفنية و التراثية..

تحقيق – سناء الحافي

صناعة النسيج ..بين الاستيراد العشوائي و غياب الرقابة !!

و من واقع بعض منتجات الغـزل والنسيج في بغداد يشير المهندس حسام موفق  إن عملية الحصول على منتج ينـال رضا المستهلك من خلال ملاءمته للاستعمال ومنافسته للمنتجات الأخرى يجعل من عملية بناء النوعية فيه من المراحل الأولية للتفكير والإعداد والتصميم وحتى مراحل الإنتاج الكمي، فضلا عن المراجعة المستمرة لكل مرحلة من هذه المراحل لغرض التطوير التحسين بما بتناسب مع تطور الذوق العام للمستهلك ولغرض إنتاج أي منتوج لا بد من مواصفات دقيقة لجميع أجزائه كالمـواد الداخلة وخواصها ومركباتها والقياسات والتفاوتات المسموحه كافة.
مضيفاّ أن الصناعة العراقية المحلية تأثرت بما أصاب الاقتصاد العراقي من أزمات ومن ابرز القطاعات المتأثرة هو قطاع الغزل والنسيج في العراق..اضافة الى أن المستهلك العراقي  يفضل في اغلب الأحيان السلع التي تجمع بين رخص الثمن وجودة مقبولة إلى حد ما،كما أنه يعزف في أحيان كثيرة عن المنتوج المحلي نتيجة لرداءة النوعية أو الثمن العالي لذلك المنتوج نتيجة ارتفاع أثمان المواد الأولية الداخلة في إنتاج المنتج المحلي مبررا ذلك الى ان الصناعة الوطنية تبرز في سمة عدم مواكبتها للتطور العلمي التكنولوجي لأسباب عديدة مما يجعلها ضعيفة النوعية و أن الاستيراد العشوائي بدون أي ضوابط أو قيود يؤثر وبشكل سلبي على الاقتصاد العراقي خصوصا الصناعة المحلية في العراق.
جودة الآلة المصنعة و الظروف الأمنية…تحديات و خسارات !
الى جانبه يؤكد منذر علي /مدير أحد معامل النسيج /في هذا الصدد أن انتاجية شركات ومعامل الصناعات النسيجية تعاني من التعثر و تراكم الخسارات  التي تتجلى بالاضافة الى الحصارالسياسي و الاقتصادي الذي عاشه العراق الى التأخير في رفدها بالتجهيزات الجديدة فخطوط الانتاج قديمة وبالتالي المنتج غير قادر على المنافسة ،وقد اضعفت المزاحمة الشديدة التي شهدها هذا القطاع خلال السنوات العشرة الماضية من المنافسة في الاسواق العالمية .‏وخاصة في مجال الاقطان والغزول , وتلازم ذلك مع العامل الذاتي والمتمثل في طريقة ادارة هذه المؤسسات والمعامل وعدم فهم آلية التسويق وارتفاع تكاليف الانتاج .‏مشيراً أن تطوير هذه الصناعة يكمن بالاعتماد على دراسات اقتصادية واضحة ولا خلاف عوامل نجاحها أن كانت بالتوسع بهذه الصناعة افقيا أم شاقوليا .فالمشكلة بالاساس تكمن في جودة الآلة المصنعة المحققة لمنتج يلبي الاذواق العالمية والمحلية من ألبسة وازياء .‏
ولابد من الاشارة في هذا الصدد إلى أن وكالة التنمية اليابانية – الجايكا – كانت قد حددت التحديات للخروج من المأزق المتربص بمؤسسات ومعامل صناعة الغزل والنسيج في العراق بعدم وجود خطة شاملة لتطوير هذه الصناعة , فقد اوصى خبراء الجايكا بضرورة صياغة خطة اصلاح شاملة لانظمة الانتاج المتبعة في شركات القطاع العام والتركيز على فعالية التكلفة والربحية وتكثيف الجهود لتحسين انتاجية الغزول والاقمشة القطنية وتعزيز الدخول إلى الاسواق الاوروبية والعربية من خلال استخدام المزايا التاريخية والجغرافية في مواجهة المنافسين الآسيويين وفتح الابواب امام أكبر مصنعي الآلات في العالم لتقديم افضل التجهيزات لكن المعوقات السياسية و الظروف الأمنية حالت دون ذلك للاسف..
السجاد العراقي..تراث و فن و تاريخ !!
و يشير السيد كاظم العوادي مدير معمل للسجاد اليدوي قائلا: “المعمل يقوم بأنتاج جميع انواع السجاد اليدوي الأرضي منه والجداري والذي يؤكد على النوعية والجودة العالية التي تضاهي المنتج الاجنبي” . متابعاً :ان “انتاج المعمل يستمد رسوماته من حضارة وادي الرافدين والمعالم الاثارية والدينية والتاريخية العراقية” . مشيرا :الى “طاقة المعمل الانتاجية السنوية التي تصل الى 400 متر مربع لمختلف السجاد” .
وقال العوادي :ان “المعمل استطاع من تصنيع اقدم سجادة عراقية نوع (البازاريك) تعود الى القرن الخامس قبل الميلاد التي تعد من أقدم ما صنعه الانسان العراقي، وبقيت الى هذا الزمن حيث توجد السجادة الاصلية التي قام بصنعها شعب وادي الرافدين في القرن الخامس قبل الميلاد في متحف (هرمتاك) في مدينة سان بطرسبيرك الروسية “مشيرا :الى ان “هذه السجادة تمتاز بتصميم جميل يضم رموزاً حية تشير الى حضارة وادي الرافدين وبألوان زاهية نباتية.. والشركة استطاعت من إنتاج السجادة بجميع تفاصيلها لاحياء جزء من تاريخ العراق وعبر صناعة يدوية خالصة ،وانتج (20) سجادة من نوع (البازاريك) “ واكد العوادي :ان”  اعادة تصنيع السجادة قامت بها الشركة العامة للسجاد اليدوي من خلال معاملها السبعة المنتشرة في العراق ،حيث تم التعاقد مع شركات عالمية لبيع منتجاتها من هذا النوع من السجاد”. مشيرا: في الوقت نفسه الى ان “معمل سجاد الحلة استطاع من انتاج سجادة بمساحة(170) متراً مربعاً “مؤكدا: ان “السجاد العراقي يأتي بالمرتبة الثانية في العالم بعد السجاد الايراني”..
وعن واقع صناعة السجاد اليدوي في العراق اكد العوادي: ان” هذه الصناعة تواجه تحديا خطيرا متمثلاً بدخول السجاد الميكانيكي ذو الاسعار الرخيصة الى السوق العراقي ما فوت الفرصة على المواطن العراقي من معرفة قيمة السجاد اليدوي الذي يتميز بمواصفات عالية الجودة والمتانة وتعدد الالوان والتصاميم الفنية المستوحاة من تاريخ وتراث وحضارة العراق”. ونوه الى  تجاهل الاعلام العراقي للمنتج المحلي وخاصة الصناعات التي تقترن بالتراث والتفرد ومنها صناعة السجاد العراقي.
حرفة المرأة العراقية: مهارة و فن…وحائكات بالفطرة !!
و ما يميز هذه الحرفة الشعبية أن المرأة العراقية مارستها على قدر كبير من المهارة، كما نجحت رغم العوائق الإجتماعية ونقص التعليم في حياكة البسط والسجاد والملابس لقاء أثمان زهيدة.
وتحفظ حائكات العراق بالفطرة أنواعا كثيرة من النقوش التي غالبا ما تكون ذات أشكال هندسية توازنها تناظرات لونية، تضفي على المكان ملامح جمالية خاصة.
فالحاجة أم علي مثلا لا تدرك أن النقوش التي ترسمها على السجادة التي تنسجها تعود إلى زمن البابليين والأشوريين، فما زال الحائك يسطرها بأنامله وكأنه يوثق حكاية تربط تقنية الحاضر بإبداع الماضي.
ولا تخلو مدن العراق وقراه من “الحائكين” و”الحائكات” الذين ينسجون السجاد يدويا مستخدمين “الجومة” كآلة بدائية لإنتاج أفخر السجاد. ونجد في المضايف في القرى والأرياف السجاد اليدوي يزين الجدران، ويغطي الأرض بقطع حمراء مزركشة تضفي بهاءً وجمالاً على المكان.
أما البساط فيصنع بآلة “الجومة” التي تنتشر في محافظات وسط وجنوب العراق حيث يمتاز البساط  المصنوع في هذه المناطق بتقنية نسجه الدقيقة وتزينه نقوش منها النجوم والمثلثات والمثمنات.
وتشتهر بلدة المدحتية الواقعة جنوب بابل، بالسجاد الحمزاوي، حيث تشترك النساء والرجال في نسجه.
كما تشتهر المدينة بصناعة البسط والأزر من الصوف الخالص، فضلا عن صناعة العباءة الرجالية بآلة “الجومة”.و تقول مشرفة الإنتاج في معمل للنسيج و السجاد (ليلى كمال) ان العمل جيد جداً  “يبدأ دوامنا من الساعة 7 والى الساعة 2، في السابق كانت لدينا معوقات من ناحية الكهرباء وأما الآن فنحن مرتاحين جداً بسبب تزويدنا بمولد كهرباء ومن ناحية النساجات فأنهن ماهرات ولديهن الخبرة في العمل”.
وقالت النساجة دينا سهير التي تعمل في هذا المعمل منذ عشرة أعوام كيفية عمل السجاد حيث قالت “نبدأ بعمل السجادة بالصوف او الحرير حسب الطلب ونقوم بالعمل بأداة تعرف بالخطاف وهي تعتبر الأداة الرئيسية في عمل السجادة، وبعدها نعمل الحاشية والتحديد للسجادة وتليها عملية وضع البصمة ونوعها التي يتم طلبها، ولدينا اداة أخرى تعرف بالمضرب وهناك حجمين صغير وكبير ونستخدم الصغير في إنزال ما يطلق عليه محلياً بـالزكزاك اما المضرب الكبير فيستخدم لتعديل الحبل سواء كان حرير او صوف.

حماية صناعة النسيج…اصالة و تراث وحضارة !!

و يؤكد الباحث قاسم خضير عباس على ضرورة حماية هذا التراث الشعبي القديم مطالبا بتأسيس (متحف للازياء والمأثورات الشعبية في العراق) وقيام لجان من ذوي الخبرة والاختصاص بالتحرك داخل العراق من اقصاه الى اقصاه لجمع وشراء الازياء الشعبية والصناعات والمواد الاثنوغرافية بغية تنسيقها وعرضها في المتحف المذكور وذلك للحفاظ عليها و للحفاظ على اصالة هذه الازياء والحرف والصناعات الشعبية وبالتالي يكون هذا المتحف واجهة لمختلف الصناعات الشعبية العراقية لاسيما ان اغلب الصناعات الشعبية اخذت بالاندثار ان لم يكن قد اندثرت فعلا بسبب الظروف التي مر بها العراق منذ حرب الخليج الاولى عام 1980 حتى يومنا هذا وعلى الجهات الحكومية وخصوصا وزارة الثقافة العراقية تشجيع الصناعات الشعبية والحفاظ عليها واقامة المتاحف والمعارض لها وايجاد اسواق عالمية لها مما يؤدي الى انتعاش هذه الصناعات وما يترتب عليه من مردودات مالية تصب في الدخل القومي.
والامر كذلك يتطلب اعادة عضوية العراق في (مجلس الحرف العالمي) والمجلس هذا مؤسسة عالمية ثقافية مرتبطة بمنظمة اليونسكو تشارك فيه اكثر من مئة دولة كأعضاء ومساهمين ومشاركين في المؤتمرات الدولية التي يعقدها المجلس ويعمل المجلس على التعريف بالحرف اليدوية والصناعات الشعبية للهيئات والمؤسسات والدول المنظمة اليه عن طريق النشرات التي يوزعها التي تضم اخبار وصور الصناعات الشعبية لاعضائه على اكثر من خمسمائة عنوان في مختلف انحاء العالم. كما يعمل المجلس على تبادل الخبرات والتدريب والمشاهدة والمساهمة في تحسين الانتاج اليدوي الشعبي والاكثار من الصناعات الشعبية وتعميمها وتبادلها وفتح الاسواق العالمية لتصريفها. علما بان العراق كان عضوا في هذا المجلس منذ عام 1970 وقطع صلته بالمجلس بعد اندلاع حرب الخليج الاولى 1980 . وعلى الحرفيين الشعبيين ان يعملوا على تحسين انتاجهم والمحافظة على اصالة صناعاتهم الشعبية وابراز تراث العراق الحضاري في كل ما ينتجون ويصنعون.

صناعة النسيج في الحضارات الإنسانية والإسلامية.. تاريخ و تأريخ !!
و يشير عبدالكريم السمك/ باحث و مفكر/ في حديثه الينا عن واقع النسيج في التاريخ الإنساني عامة، والعربي والإسلامي خاصة، أن  المسلمون  ركزوا في عصورهم المختلفة بالصناعات النسيجية باهتمامهم بأي شيء آخر كان ضرورة من ضروريات الحياة وأبدعوا في هذه الصناعة، الأمر الذي جعل علماء الآثار من الغربيين يضمنون دراساتهم العلمية صناعة النسيج عند المسلمين، كما احتوت متاحف الغرب الأوربي على الشيء الكثير مما تبقى من بعض الثياب الخاصة، التي تعود إلى العصور الإسلامية الأولى، واستطاعت الدراسات الغربية المتخصصة في هذا الجانب معرفة مواطنها، وإن كان عليها كتابات عربية فكوا رموزها وعرفوا لمن تعود في ملكيتها، كما استطاعوا الفصل بين أقاليم تصنع هذه المنسوجات وأقاليم أخرى تبيعها وتستعملها فقط، فهناك من الألبسة ما هو عماني وما هو يماني وما هو من خراسان، ومن نيسابور، أما الحجاز فقد كان على الغالب مستورداً لها، وقد أشارت مصادر الدراسات بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أيام دولة الإسلام في المدينة المنورة، قد فرض على البلاد التي يكثر فيها النسيج ويقل فيها النقد أن يسددوا زكاة أموالهم من اللباس، كاليمن وهجر، وعلى غير المسلمين من نصارى اليمن الجزية لباساً وخاصة منه ما كان من نوع المعافري، وفرض خالد بن الوليد على أهل الأنبار أن يسددوا ألف عباءة قطوانية مضيفاً أن المستشرقين من الغربيين اهتموا  بدراسة النسيج في المجتمعات الإسلامية بتنوع مجتمعاتها عرقياً، وجغرافياً، وتاريخياً، وخاصة فيما هو معني بالدول الإسلامية المتعاقبة وكانوا أكثر اهتماماً من العرب في هذا لجانب، إذا استثنينا العالم والمؤرخ الدكتور صالح العلي رحمه الله وكذلك مؤرخة الحضارة الإسلامية الدكتورة سعاد ماهر محمد رحمها الله، فلها كتاب في النسيج بشكل خاص في تاريخه ونشأته، مع دراسة عن المنسوجات في كتاب آخر معني بالفنون الإسلامية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان