ثقافة شعبية

التنـــاص فـــي الشعـــر

الحلقة الاولى

 

 محمد عزام 

1 -تعريف (السرقات) الشعرية:
(السرقات الشعرية) هي أن يعمد شاعر لاحق، فيأخذ من شعر الشاعر السابق: بيتاً شعرياً، أو شطر بيت، أو صورة فنية، أو حتى معنى ما …
وموضوع (السرقات الأدبية) من أهم الموضوعات التي أولاها نقاد الأدب كثيراً من اهتمامهم وعنايتهم، إذ كان من الأهداف النقدية الوقوف على مدى أصالة الأعمال الأدبية المنسوبة إلى أصحابها، ومقدار ما حوت من الجِدّة أو التقليد، ومعرفة ما امتاز به الأديب من الأديب الآخر.
وقد كان النقاد يلجأون، في نقدهم إلى (الموازنة بين أديب وأديب، فيما اتفق فيه كلاهما، أو في ما اختلفا فيه. وقد بذلوا في سبيل ذلك الجهود النقدية الجادة، وأبرز مثال على ذلك (موازنة) الآمدي بين شعر أبي تمام والبحتري(1). و(وساطة) القاضي الجرجاني بين المتنبي وخصومه.
وفي مرحلة تالية عمد النقاد إلى بحث ما امتاز به كل أديب من نواحي الجِدة والابتكار، أو التقليد والاتباع، فوضعوا الكتب في سرقات المتنبي، وأبي تمام، وأبي نواس … وهذا كله يحتاج إلى اطلاع واسع على التراث الأدبي في كافة عصوره، ومعرفة ماضيه، ليسهل ربط المتأخر بالمتقدم، وما أخذ فيه الخلف عن السلف، وعند ذلك يمكن الحكم عليه بالتقليد أو التجديد.
2 -تاريخ (السرقات) الشعرية في النقد الأدبي:
جعل النقاد والبلاغيون موضوع (السرقات الأدبية) باباً واسعاً في مؤلفاتهم النقدية والبلاغية، جمعوا فيه الشواهد والأمثلة، وحددوا له مصطلحاته.
وقد أدرك بعض الشعراء، منذ العصر الجاهلي، أن الأول لم يترك للآخر شيئاً. فقال عنترة:
هل غادرَ الشعراءُ من متردّمِ
    أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقال كعب بن زهير:
    ما أرانا نقول إلا مُعاداً
        أو مُعاراً من قولنا مكرورا
ونفى طرفة بن العبد عن نفسه سرقة أشعار غيره، فقال:
    ولا أغيرُ على الأشعارِ أسرقُها
              عنها غنيتُ، وشرُّ الناسِ من سَرَقا
وكذلك نفى حسان بن ثابت الإغارة على شعر غيره، فقال:
    لا أسرقُ الشعراءَ ما نطقوا
    بل لا يوافق شعرهم شعري(2)
ويبدو أن الشعراء هم الذين فتحوا هذا الباب للنقاد، فتابعهم النقاد فيه، وجمعوا مادته من الشعراء أنفسهم، ثم أضافوا إليها جهودهم النقدية، فجرير يتهم الفرزدق بالسرقة في قوله:
       سيعلمُ منْ يكونُ أبوه قَيْناً
    ومن عُرفَتْ قصائدُه اجتلابا
والفرزدق يرد على جرير، بقوله:
    إن استراقَك يا جريرُ قصائدي
    مثلُ ادعاء سوى أبيك تنقّلُ
وابن الرومي يرمي البحتري بالسرقة:
    حيُّ يُغيرُ على الموتى فيسلبهم
    حُرَّ الكلام بجيشٍ غيرِ ذي لَجَبِ
    شِعرٌ يغير عليه باسلاً بطلاً
    فينشر الناسَ إياه على رقبِ
وابن الحاجب يتهم البحتري بالسرقة:
    والفتى البحتريُّ سارقُ ما قا
    لَ ابن أوس في المدح والتشبيبِ
    كلُّ بيتٍ له يُجوّد معناه
    فمعناهُ لابن أوسٍ حبيبِ
والبحتري يهجو عبيد الله بن طاهر بسرقة شعره:
   أُرْدُدْ علينا الذي استعرتَ وقلْ
         قَولَكَ يُعْرفْ لغالب غلبهْ
وأبو تمام يهجو محمد بن يزيد بسرقة شعره:
   يامَنْ عَدَتْ خيلُهُ على سرْحِ شعري
         وهو للحين راتعٌ في كتابي
   يا عذارى الأشعارِ صرتُنّ من بـ
                   ـعدي سبايا تُبعْنَ في الأعرابِ
وقد ضيق بعض النقاد الخناق على الشعراء، فرأوا في إيراد الكلمة المثيلة نوعاً من السرقة! وفي إيراد الخاطر، ولو على غير المثال السابق، سرقة! كما فعل مهلهل بن يموت في كتابه: (سرقات أبي نواس)، حيث قال إن بيت أبي نواس:
     دَعْ عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ
    وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
مسروق من بيت الأعشى:
     وكأسٍ شربت على لذةٍ
         وأخرى تداويتُ منها بها
والسرق في (داوني بالتي كانت هي الداء)، مأخوذ من (تداويت منها بها)، أفلا يحق للاحق أن يحصل على هذه الخبرة من تجربته الشخصية في معاقرة الخمرة بعد أن عاش حياته فيها ولها؟
إن (توارد الخواطر)، و(التقليد)، و(الاحتذاء) ليست من (السرقة)، وإن جعل بعض النقاد القدماء كذلك. وقد وصل الأمر ببعضهم، كالأصمعي مثلاً، إلى اتهام الفرزدق بأن تسعة أعشار شعره سرقة(3). بينما نفى المرزباني عنه ذلك، واتهم الأصمعي بالمبالغة، وعزا سبب ذلك إلى أن الفرزدق كان قد هجا باهلة رهط الأصمعي. كما اتهم الأصمعي في كتابه: (فحولة الشعراء) امرأ القيس، فقال إن كثيراً من أشعاره لصعاليك كانوا معه.
ثم جاء ابن قتيبة (-176هـ) صاحب كتاب (الشعر والشعراء) فلحظ الأخذ بين الشعراء واستعمل هذا المصطلح (الأخذ) بدلاً من السرقة. ولعله رأى ما سيراه القاضي الجرجاني من بعد، من أن (الأخذ) أقرب إلى التوارد منه إلى الإغارة والسلب.
ثم جاء القرن الثاني للهجرة، فوضع ابن أبي طاهر وابن عمار كتاباً في سرقات أبي تمام(4). ووضع بشر بن يحيى كتاباً في سرقات البحتري من أبي تمام، كما وضع كتاب (السرقات الكبير)(5). كما وضع الصولي (-235هـ) كتابه (أخبار أبي تمام) قال فيه إن المتقدمين يفوتون المتأخرين في وصف البداوة، وإن المتأخرين يفوتون المتقدمين في وصف روائع الحضارة، وإنه قلما أخذ المتأخرون معنى من متقدم إلا أجادوه. كما أن في أشعارهم معانياً لم يعرفها القدماء، وأخرى أومأ إليها المقدمون، فجاء المتأخرون فأحسنوا فيها.
ولم يهتم الجاحظ (-255هـ) بقضية السرقات كما فعل معاصروه، لأنه قرر أن الأفضلية للشكل، بينما المضمون مشترك بين الناس جميعاً، وأن المزيّة كلها للصياغة.
وفي هذا القرن وضع ابن بكار (-256هـ)   كتاباً عن سرقات كُثَيّر، كما وضع ابن طيفور (-280هـ) كتابه (سرقات البحتري من أبي تمام)، ووضع ابن المعتز (-296هـ) كتابه (طبقات الشعراء)، وفيه يرى أن الشاعر لا يعذر في سرقته حتى يزيد في إضاءة المعنى.
وفي القرن الرابع الهجري وضع ابن العلاء السجستاني كتابه (سرقات أبي تمام)، كما وضع مهلهل بن يموت (-334هـ) كتابه (سرقات أبي نواس)(6)، ووضع ابن طباطبا (-322هـ) كتابه (عيار الشعر)، وفيه يميز بين نوعين من السرقات: (الإغارة)، و(الاستعارة). فالأولى سرقة صريحة توجب العيب، وتحطّ من قدر الشاعر، وتقع في المعاني لا في الألفاظ والأوزان. والثانية حسن أخذ، ودالة على فضل الشاعر وإحسانه، ما دام قادراً على إبراز المعنى القديم في لباس جديد.
      ولا أغير على الأشعار أسرقها
              عنها غنيتُ وشرُّ الناس من سرقا
كذلك لم يهتم قُدامة بن جعفر (-337هـ) في كتابه (نقد الشعر) بالسرقات، رغم احتفاله بالمعاني. وبذلك أهمل موضوعاً كبيراً استأثر باهتمام معاصريه من النقاد، فبذلوا فيه جهوداً مضنية قليلة الثمرات. واكتفى قدامة بالإيماء إليه، مؤمناً أن الشعراء لو تعاوروا مثلاً على تشبيه الدروع بحباب الماء الذي تسوقه الرياح، لظل التشبيه في ذاته جميلاً، رغم تداول الشعراء له. ولهذا فليس مهماً معرفة السابق في هذا التشبيه، أو اللاحق فيه، وإنما المهم هو حسن الأداء. وكأنما قدامة هنا يتابع الجاحظ في أن المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها البدوي والعجمي، وأن المزية كلها للعبارة.

الهوامش

1- انظر كتابنا: الموازنة للآمدي- وزارة الثقافة- دمشق 1996.
2- ديوانه ط البرقوقي ص230.
3- المرزباني- الموشح ص169.
4- الموازنة للآمدي ص47.
5- نفسه ص22.
6- الجرجاني- الوساطة ص166.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان