ثقافة شعبية

بريد الفتى السومري”

تغريبة جنوبية من ممكنات العشق والخبل

عقيل هاشم الزبيدي

في الطريق إلى الناصرية
ستجد آثار البساطيل على طول الطريق،
إنهار آثار (المكاريد) السومريين
الذين لا يجد المخنثون حطباً لنيران حروبهم المتناسلة غيرهم.
وأينما يلتفت في ذلك الطريق،
ستشم رائحة شواء تنبعث من قلوب الأمهات والعشيقات،
كون نارهن أزلية متقدة بوقود الفقد.

في هذه النصوص، وعبر لغة مشحونة بـ”التعويذة السومرية”، وبنبرة حالمة بالفقد والحضور معاً، عكست بجلاء ما يضطرم في صدر الشاعر من قصائد رسمت بمداد واضح ما حدثته به تلك الأساطير، من بينها التساؤل والاحتجاج وحتى الصراخ في وجه العالم، العالم الذي ما فتئ يدفع الشاعر إلى إدانته في شعرية باذخة. إنها نصوص من جمالية التهكم، والتي تلتمس ذلك القلق الوجودي بهيئة قصائد لا تهادن، وتنعى ذلك الخراب الذي نراه يحتفي بما يمكن أن يكون منقذاً لهذا العالم.

أيضاً هناك نصوص احتفت بالمرأة بصفتها الآخر، صنو الخير والمحبة، وطريقة لتهدئة ضراوته. هذه النصوص، ووسط هذا الكم الهائل من الكوابيس والهواجس والمخاوف والهذيان والجنون والمقابر والموت والقتل والرصاص والمجازر والطغاة والحروب والمرارات التي حشرها الشاعر في متن قصائده، نعثر على حياة حالمة تنتصر للحياة وتحتفي بالمرأة الجميلة.

هنا تنطلق رؤى الشاعر “عدنان الفضلي” في مجموعته الشعرية (بريد الفتى السومري). أراد الشاعر هنا، وعن قصد، أن يتوخى الإبانة، محاولة منه لترسيخ فكرة استعادة صور الماضي (الذاكرة)، والتي لا تدّعي إقصاء الحاضر، والذي ظل الشاعر يكتوي بمآسي وجوده الماضوي المكتوي بالفزع، فصار يستعيده ويتخيله. الغائب البكر ولّد أول المآسي حين يضيق المكان، وحين تقترب الحقيقة من تصوره الحالم. هذا الاحتراق لن يجد خيراً من الكلمات المشحونة بالشجن ليرسلها ببريده إلى ذاته، فتتحول كل هذه الآهات إلى قصائد من حكايات يومية، وسيل عارم من المكنونات الدفينة والأليمة.

اقتباس:
أسئلة إلى ولدي الراحل “غزوان”
كيف النسيان..
وصرير الباب يذكرني
وأنك وحدك لا شريك لك
في الهمس قبيل الفجر… ص23

وفي نصوص أخرى نجد هذه الشعرية، والتي يغلب عليها الطابع السردي والحكائي والمغرقة بالخسارات والفقد المتواصل، وهي بعض من الاستعادة التي تقتضي استحضار الوجوه التي تحسر الشاعر على فقدها. إنها محاولة لاستعادة اللحظة المفارقة حين تتحول الحرب وأجواؤها إلى “محرقة”، لتكون خلفية للجريمة وهي تعيد صياغة نفسيات الناس وخيالاتهم وطرق تفكيرهم ونظرتهم للحياة، يرصدها الشاعر بنصوصه التي لا تخلو من العبث، وهنا يلتقي الخيال مع السخرية السوداء، والتفاصيل العالقة بين الحياة المتقمصة والهوية الضائعة، ليبلغ التداخل بين الاثنتين ذروته مع نزع جلد الذات دون التحول إلى الآخر، تعبيراً عن رغبة وحاجة إنسانية.

اقتباس:
إلى ناجح ناجي في محنته مع اللاجدوى
نعم يا صديقي..
أعلم أنك
من ألف خاصرة أتيت
ومن ألف رمح تتحذر
نعم..
وأعلم أنك ما زلت في داخلك..
داخلك المتجذر في سومريته
القابض أبداً على الندى
لكنها الحرب يا صديقي… ص35

وهكذا تحضر هنا، وفي نصوصه الحالمة التي تشق طريقها نحو القارئ، فاتحة له كوة تتسع تدريجياً في حقول الفرح التي أنهكها العشق، وقد احتفظ بها الشاعر في دواخله، هي لواعجه، وقد جعل من الكلمات زفرات حرى يشهقها كلما زاد شوقه للحياة، فانخرط في حالة من الهيام تذكرنا بشطحات المتصوفة تعبيراً عن هذا الوله.

اقتباس:
بعض الزهور..
عطرها يسحبك إلى عوالم التيه
لكن عطر الزهرة التي أقصدها
يسحب التيه إليّ
حتى يصاحبني الغناء
ويشاركني ثمالة التقائي بطيفها
هي وردة… ص41

وهنا أيضاً نرى أن النصوص كُتبت على شكل قصائد طويلة، وأخرى بمقاطع شعرية قصيرة تشبه إلى حد بعيد قصائد الومضة، إن لم تكن هي بذاتها، يمنحها الشاعر فسحة ليقول ذاته ويفصح عن مكنوناته، وهي بعض اشتهاءاته للكشف والفضح.

اقتباس:
أبي يعلم بسذاجة أمي
لذا كلما افتقدني
راح يفتش في سلة النذور

وفي الختام أقول إن الشعر هنا لا يهادن ولا يمالي، ولا يعنيه أن يكون جميلاً وحالماً بقدر ما يعنيه أن يخلخل الثوابت ويحرك السواكن. شعر كالذي نتحدث عنه، من أهدافه نقل العدوى إلى المتلقي ليصير هو الآخر ثائراً غاضباً حانقاً راغباً في التغيير نحو الأفضل. إذن نجد في هذه النصوص الشعرية إطلالة سريعة عكست بوضوح قناعات الشاعر ورؤيته للحياة والواقع، الذي لم يتغير كثيراً لناحية أنه سيئ على الدوام، أو يراوح بين السيئ وشديد السوء. وها هي الحرب، بعد أن برزت حقائق جديدة، لا تزيد الشاعر إلا حنقاً وغضباً، وكعادته لا بد للشاعر أن يتبنى موقفاً مما يحدث، ولهذا نراه الآن ينحاز للحياة بعد أن سقطت الأقنعة وبانت النوايا.

اقتباس:
عندي ما يكفي من الوهم
لأتخيل العالم
وقد صار مؤهلاً لاحتضان الفقراء… ص65

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان