برز العديد من الشعراء الريفيين الشعبيين المميزين في أواخر الاحتلال العثماني للعراق، لاسيما في منطقة الفرات الأوسط التي احتضنت كثير من شعراء الحسجة ، وعد قسما منهم روادا للشعر الشعبي العراقي ، كفدعة الزريجاوية ، إلا أن يد العناية لم تلامس هؤلاء كما لم تلامس الطبقة التي جاءت بعدهم ، مما تسبب في ضياع نتاجهم الشعري ، كالشاعر كنين وولده حميد الخزاعي ، بيد أن النقاد والمهتمين بالشعر الشعبي وتاريخه أولوا شعراء الطبقة التي جاءت بعد أولئك عنايتهم وبدأ الحديث عن دور الشعر الشعبي العراقي في استنهاض الأمة من غفلتها ، وجاء اسم الشاعر الحاج زاير ابن الحاج عسكورة الدويجي المسلماوي ضمن هؤلاء ، وذلك بسبب كون هذا الشاعر سريع البديهة ، خصب التجربة ، شعره يتميز بالطرافة ، فضلا عن تمكنه من نظم الشعر الحضري والريفي على حد سواء ، لهذه الأسباب وغيرها نال الرجل ما لم ينله غيره من العناية ، فطبع ديوانه أكثر من مرة ، وقامت على شعره بعض الدراسات والبحوث ،كدراسة ريسان الخزعلي ودراسة عبد الرحمن طهمازي وغيرها .
ولد الحاج زاير الدويج في عام 1860 في إحدى قرى الفرات الاوسط ( برس) أو (بور سيبا) وهي قرية تقع بين الكفل والحلة ، ولد في بيت ينتمي الى عشيرة بني مسلم ، وهي عشيرة تسمى اليوم بالشريفات ، وهي فخذ من طفيل العربية التي تنتسب إلى طفيل بن عامر القيسي ، جاء به ابوه صبيا الى النجف الاشرف ليدخله في إحدى مدارسها الدينية ( مدرسة القوام في محلة المشراق ) ، وفي نيته ان يصبح ابنه عالما دينيا أو خطيبا حسينيا ، كما هي حال أقرانه من آل حرز الدين ، الا أن موت أبيه لم يجعله يكمل دراسته فلجأ الى العمل ليعين عائلته ،فامتهن العتالة في بداية الامر ولكنه سرعان ما تخصص باستخراج الماء من الآبار ،وهو عمل متعب وخطير ، وهناك لحقته ألقابه ؛ زاير البرسي ، والدويج التي هي مصغر ديك ، وفي تلك الفترة لازم الحاج زاير مجالس العلم ودواوينها ، فضلا عن المجالس الحسينية ، فأخذ منها الكثير حتى كان لتلك المجالس الفضل الكبير عليه في تزويده بثقافته الدينية ، كما كان لها الفضل الكبير في صقل موهبته الشعرية التي راحت تتفجر في حشود الزائرين ، فكان لمجرد أن يضع يده على جبينه ويقول قولته الشهيرة : (( ها خويه )) حتى يتدفق العذب من الشعر على لسانه ارتجالا بلا اعداد مسبق ، ونظرا لمتانة ما كان يقوله ونضجه فنيا راح المستمعون يشككون بقدرته على الارتجال بهذه الكيفية ، فراحوا يختبرون تلك المقدرة مرات ومرات وذلك بأن يطلبوا منه النظم بموضوع معين أو روي معين ،وفي كل مرة يثبت لهم الحاج زاير أن نظم الشعر لديه ايسر واسهل من الكلام العادي ، حتى كأنه أبو العتاهية الذي كان يفخر باستطاعته نظم كل كلامه شعرا ، وفضلا عن ذلك فقد عرف عن الحاج زاير مقدرته على الغناء ، فقد ابتكر لحنا او طريقة خاصة به تتميز بالشجن سميت في ما بعد باسمه ( طور الزايري )،وقد اشتهر هذا الطور بين مطربي النجف انذاك اجاد به المطرب الريفي جعفوري محمد ، لهذه الأسباب طارت شهرة الحاج زاير الدويج بين الآفاق ، فصار كل شيخ عشيرة يفخر بأن نديمه الحاج زاير ، وكانت تجري في مضايف أولئك الشيوخ الكثير من المباريات الأدبية التي بطلها بلا منازع الحاج زاير ، نظرا لسرعة بديهيته وتمكنه من الارتجال ودقة التصوير في شعره ، وبسبب هذه الميزات طلب منه شيخ آل فتلة أن يصبح مهوالا للعشيرة ، وهي طريقة تعني احتكار فن الشاعر ووقفه على المشتري الذي هو هنا شيخ عشيرة آل فتلة ، فوافق الشاعر على ذلك نظرا لقلة ذات اليد ، فأهدي قطعة أرض خصبة استطاع الشاعر ان يقتات منها ، وبالمقابل أصبح مهوالا لآل فتلة في تجمعاتهم وعراضاتهم والمدافع عنهم ، وتحكي لنا المصادر التاريخية أنه بادل أرملة أحد السادة ـ التي كان لها من السيد بنتا صغيرة وحيدة ـ الحب ، فكان له أن تزوجها ورزق منها بابنة ، فأصبح معيلا لبنتين واحدة من صلبه والأخرى بالتبني ، ولما صدر قانون التجنيد الإجباري في عام 1869 سيق الشاعر إلى الخدمة العسكرية مكرها وسير إلى الخليج العربي ، وبالتحديد إلى قطر الحالية حيث خدم في قلعتها التي كانت تطل على شاطي الخليج العربي ، وفي أثناء مروره بالحجاز إلى قطر أدى مراسم الحج ، فلحقه لقب الحاج من ذلك الوقت، وتذكر لنا المصادر التاريخية أنه قد أصيب بمرض الحنين ، فكان كلما يصعد سور القلعة التي كان مكلفا بحراستها يتوجه بوجهه إلى العراق فيبث شجونه إليه ، حتى انه أبكى رفاقه الذين كانوا معه ، مما حدا ببعض الضباط العرب والعراقيين إلى التوسط له ، فكان لهم ما أرادوا ، فقد ارجع إلى بغداد ليكمل فيها خدمته العسكرية . وبعد الاحتلال الانجليزي للعراق في عام 1914 سيق ثانية للخدمة العسكرية بوصفه جنديا احتياطاً ، ولكنه فر من الخدمة العسكرية بعد أن رأى تنكيل العثمانيين بأهالي الحلة والنجف.
نال الحاج زاير شهرة واسعة مقارنة بغيره من الشعراء الشعبيين ، نظرا لتمكنه من النظم بكل اشكال الشعر الشعبي ؛ كالأبوذية والموال والدارمي والقصيدة والطرفة والمساجلة والموازرة والابوذية بالقريض والزهيري بالقريض والمثل الشعبي ، كما انه اقتبس من القرأن الكريم والشعر العربي وضمنه في ثنايا شعره ، لهذا نال عناية النقاد والباحثين والدارسين، كدراسة الدكتور الصائغ عن التناص والاغتراب في شعره وحصل منهم على لقب متنبي الشعر الشعبي ، بل ان الدكتور العلامة حسين علي محفوظ زاد على ذلك بقوله :(( لو استمع ابو الطيب المتنبي لروائع وإبداعات الحاج زاير ، لأنتفض قائما من قبره ينفض التراب عن جسمه ، ليؤدي تحية الإعجاب والتقدير لهذا الشاعر الشعبي الأمي الملهم ))، وبعد فليس غريبا أن نقرأ للمستشرق الفرنسي جاك بيرك قوله بحق الحاج زاير في كتابه ( العرب تاريخ ومستقبل ): إن الحاج زاير هو اكبر شاعر شعبي في العراق ، بل يعد شكسبير الشعر الشعبي العراقي ، وقصائده تدوي على كل الشفاه…
واذا كانت الشعرية تعنى بالبحث عن قوانين الابداع الادبي وخصائصه المجردة التي تصنع فرادة العمل الادبي ، ومن ثم تصنع ادبيته ، فإننا لا نختلف مع الدكتور الصائغ حينما قال :ان البحث عن شعرية الحاج زاير يحيلنا الى شعره كافة ، ولكننا نرى الحكم برد اسباب الشعرية الى شعر الرجل كافة هو غبن بحقه ،هو بمثابة التعميم الذي يلجأ اليه العاجزون ـ واستاذنا الفاضل الصائغ ليس منهم ـ ذلك لأن العناصر التي تجعل من خطابه الشعري خطابا فنيا، هي عناصر واضحة ولنا ان نقف عند بعضها ، والامر ليس بطلسم حتى نداري عجزنا عنه بالتعميم ، ومعلوم ان الخطاب الادبي لا تكمن قيمته فيما يقوله او في معناه ، ذلك لأننا يمكن ان نؤدي ذلك بطرائق شتى ، ولكن تكمن قيمته في طريقة القول او الصياغة ، وبعبارة ادق تكمن قيمة العمل الادبي في الطريقة التي تجعله يؤدي وظيفة جمالية فضلا عن وظيفته التوصيلية الابلاغية ، وهو الامر الذي سعت الشعرية الى الوقوف عنده ، ونظرا لنضج تجربة الحاج زاير الدويج ،ومن ثم تشعب اسباب شعرية نصه ، الا أننا يمكن تلمس ذلك من خلال نضج المفردة اللغوية لديه الشاعر ، وسموها على العامي الرخيص الى الجزل البسيط المؤثر ، والابداع في استخدام الجناسات ، لاسيما الصعب منها ،وثقافته الواسعة على الرغم من كونه امياً لا يقرأ ولا يكتب ، وهذا ما نلاحظه في كثرة الاقتباسات والتضمينات او ما سمي في النقد الادبي الحديث بالتناصات المختلفة مع نصوص ومرجعيات مختلفة تنم عن ثقافة واطلاع واسعين ، ولا يفوتنا هنا ان نذكر توظيفه المثل بصورة ذكية جدا ، كقوله : ((الناس كلمن يداوي بعلته وتطيب بس أنه اعالج مثل بول الجمل ليوره )) ، وقوله ذائع الصيت : ((“لو عضك الچلب گلي هم تعض الچلب)) ، وقوله الشهير:
دار الملوك اظلمت عكب الضيا بسروج
وتميت اكت الدمع اعله الوجن بسروج
واخيل لمن تردت واضلت بســروج
والكدش اصبح لها عزم شديـد وباس
والزين دنك على جف الزنيـم اوبا س
والشهم لوعاشر الانـذال ما هوباس
من جلة الخيل شدوا عل جلاب سروج
وقوله:
رماني بسهم لا جدم ولا خر
بدليلي ولا دفك دمعي ولا خر
واحد شايل لحيته ولا خر
يكله شمثكل لحيتك عليه
فضلا عن محاولة الشاعر رسم صوره الشعرية الباهرة من دون وجود انموذج سابق يستند اليه في ذلك ، حتى كإننا امام صور ترسم لأول مرة بكل براعة وابداع على الرغم من كون الشاعر ابن بيئة ريفية بعيدة عن معالم التطور وبعيدة عن مؤثرات المدينة ، فضلا عن كونه رجلا اميا من دون أي تحصيل علمي او دراسي حتى في ابسط مستوياته ، وعلى الرغم من ذلك كله جاء بصور شعرية يعجز الشعراء المعاصرين له ، فضلا عن المحدثين عن الاتيان بمثلها ، فصورة مثل قوله : (( مستبطن الكون يا بو حسين مثل الهوه )) لا يمكن ان يتخيلها الا عقل مبدع فذ ،الامر الذي جعلنا نقارنه بامرئ القيس صاحب التشبيهات الفذة ، ومعلوم ان الصورة الشعرية هي تركيب لغوي بمكن الشاعر من تصوير معنى عقلي وعاطفي متخيل ليكون المعنى مجسدا أمام المتلقي، حتى يتمثله بوضوح ويستمتع بجمالية الصورة التزينية.وتعتمد التجسيد والتشخيص والتجريد والمشابهة ، والشاعر يعتمد في ذلك على لغته وخياله في رسم تلك الصور ، ويرى الناقد (رتشاردز) أن الأمر الذي يضفي على الصورة فاعليتها ليس هو حيويتها ووضوحها بقدر ما تتميز به هذه الصورة من صفات باعتبارها حدثاً عقلياً له علاقة خاصة بالإحساس لذا فليس بالضرورة أن يتشارك المشبّه والمشبه به من حيث الجو النفسي، بل المهم أن يوافق الجو النفسي للصورة التشبيهيه انفعالات الشاعر وأحاسيسه ، وبعد فهذا هو الحاج زاير الذي غدا مدرسة في الشعر الشعبي ، وحريا بنا أن نستذكره في هذه الأسطر …
اهم الاخبار
ثقافة شعبية
الحاج زاير الدويج.. متنبي الشعر الشعبي
- 21 ديسمبر, 2014
- 195 مشاهدة









