ثقافة شعبية

أحياء بغداد ومقاهيها الشعبية منبع الأدب والثقافة

الدكتور أحمد زياد محبك

الحلقة الثالثة

 

عجيب الحيوان والنبات

 ومن العجيب ما هو عجيب الحيوان ومنه ما هو عجيب النبات، وثمة حكاية جمعت النوعين، إذ يحكى أن ثلاث فتيات مات أبوهن ثم ماتت أمهن، فكن يغزلن القطن كي يعشن، وكانت الصغرى منهن تنزل السوق تحمل القطن المغزول لتبيعه وتشتري لهن بثمنه الطعام، وذات يوم رأت في السوق فأرة في قفص معروضة للبيع، فاشترتها بثمن ما باعت من قطن مغزول، ورجعت إلى البيت فرحة تحمل القفص وفيه الفأرة بدلاً من الطعام، فغضبت منها أختاها وطردتاها، فلجأت إلى قبر أمها، حيث قعدت تبكي وتنوح، ثم نظرت فإذا الفأرة تضع ليرتين ذهبيتين، تظنهما مجرد قطعتين من معدن بخس، ويمرَّ بها ابن السلطان، فيحملها إلى قصره حيث يخصها بجناح ويكرم ضيافتها، وتحيا في رغد، في حين يسوء حال الأختين، فتضطران إلى التسول، وتمران بقصر الأخت، فتقرعان عليها الباب تطلبان صدقة، وسرعان ما تعرفهما فتدعوهما إليها، وتكرمهما، وتزودهما بما يكفيهما، وتأخذ الأختان في التردد عليها، ويعرفان منها قصة الفأرة التي تضع كل يوم ليرتين ذهبيتين، فيأكل الحسد قلب كل منهما، ثم تدعوانها إلى حمام السوق، وتدَّعي إحداهما أنها نسيت في البيت مشطها وتزعم أنها ستذهب لإحضاره، وترجع الأخت الصغيرة إلى القصر لتجد الفأرة ميتة خنقاً، فتدفنها في حديقة القصر، وتأخذ في زيارتها كل يوم وهي تذرف عليها دموع الحزن والألم، وتستمر الأختان في زيارة الأخت، وهما تخفيان إحساسهما بالغيرة والحسد، وتدهش الأخت ذات يوم إذ تجد غصناً ناحلاً قد نبت واستطال وأورق فوق قبر الفأرة، وما إن تمسه بيدها حتى يهر منه اللؤلؤ والمرجان، وتسرع إلى ابن السلطان تخبره فيسر للأمر وينصح لها ألا تخبر أختيها، ولكنها لطيب قلبها تبادر في أول زيارة إلى إخبارهما، بل تزودهما بقدر من اللؤلؤ والمرجان، وذات يوم تزورها إحداهما وحدها، لتزعم أن الأخت الأخرى مريضة، وتدعوها إلى الذهاب معها إلى زيارتها، وبينما هي في زيارتها، ترجع الأخت الشريرة إلى القصر لترش الملح على الفرع النابت فوق قبر الفأرة، وترجع الأخت الطيبة إلى القصر لتجد الفرع يابساً، وتشكو أمرها لابن السلطان، فيؤكد لها أنه كان قد وضع في القصر حراساً وأنهم رأوا أختها وهي ترش الملح، ويقرر أن يوقع بهما ما تستحقان من عقاب، ولكنها ترجوه أن يعفو عنهما، فيتأكد له طيبة قلبها، فيعقد قرانه عليها، ويتزوجها، ليعيشا معاً في هناءة وسرور، وتظل نار الحسد تأكل قلب الأختين.
 ويظهر العجيب في الفأرة التي تضع ليرتين ذهبيتين لفتاة فقيرة، تطردها أختاها من المنزل، لا لشيء، إلا لأنها أحبت تلك الفأرة، وهذا العجيب في الحيوان يقابله عجيب في عالم الإنسان، وهو كراهية الأختين للأخت وحسدهما لها، وإقدامهما على خنق الفأرة، ويظهر العجيب ثانية في فرع من النبات يظهر على قبر الفأرة، وهذا الفرع يسقط منه اللؤلؤ والمرجان، دليل وفاء مستمر من الفأرة، كما يظهر العجيب ثانية في عالم الإنسان إذ تقدم الأختان أيضاً على خنق الغصن برش الملح عليه، ويبدو العجيب في عالم الحيوان أكثر إدهاشاً وأكثر غرابة وعجائبية، لأنه مستحيل وغير ممكن الوقوع، هو ضرب من الخيال المحض، في حين يبدو العجيب في عالم الإنسان ممكناً ومحتمل الوقوع، ولكنه مستنكر.
والحكاية تذكر بقصة يوسف وإخوته الذين كادوا له فرموه في الجب ليتخلصوا منه، ولكن الله تعالى هيأ له منزلاً كريماً وبوأه مكانة رفيعة، وجعل إخوته يحتاجون إليه ويقصدونه طالبين رفده، وإن ظلوا على كيدهم له، كما تذكّر بحكاية الراعي الذي كان يرعى غنمه في أرض فيها أفعى، وقد اتفقا على الأمان، يرعى غنمه ولا يؤذيها، فترمي له بليرة ذهبية كل يوم، ثم إنه مرض فأوصى ابنه بها خيراً، ولكن ابنه طمع في نيل كل ما لديها من ذهب، فلحق بها إلى الجحر فضربها فشجها في رأسها ولم يتمكن من قتلها فعقصته فمات، ثم شفي الراعي، وعاد إليها، فانقطعت عما كانت تعطيه من ليرات، فدعاها إلى العودة إلى ما كان بينهما من عهد، فأكدت له أنها لا يمكن أن تنسى الجرح، ولا يستطيع هو أن ينسى موت ولده.
 كما تذكر الحكاية بمسرحية ” الملك لير ” ( 1606) لوليم شكسبير( 1564ـ 1616) وفيها تظهر الأخت الصغرى كورديليا وفية لأبيها، مخلصة له، في حين تنقم عليه شقيقتاها الأخريان، كما تنقمان عليه، وتكيدان لهما معاً وتلحقان بهما أذى كبيراً إلى حد القتل، وفيها إشارات كثيرة إلى الحيوان وتشبيهات كثيرة للإنسان بالحيوان في حالات ومواقف مختلفة.
 وهكذا يظهر الحيوان أكثر وفاء للإنسان من أخيه الإنسان، بل أكثر من وفاء الإنسان لنفسه، وفي المثل الشعبي: ربيت قط أكل فاري، ربيت كلب نطر باب داري، ربيت بني آدم خرب دياري، والحكاية تكشف في الواقع عداء بعض الإخوة لبعضهم الآخر، وهو عداء أشد حدة وشراسة من عداء الغريب، لأن الأخ يعرف عن أخيه أموراً كثيرة لا يعرفها الغريب، فيوظفها كلها في تعميق العداء، ومن هنا قول الشاعر الجاهلي طَرَفَةَ بنِ العبد :
 وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
 على المرءِ من وَقْعِ الحسامِ المُهَنَّدِ
 وتشف الحكاية في الواقع عن فقر الفقراء وبؤسهم الشديد، فقد ضاقت عليهم موارد الرزق، وإذا هم يحلمون بالخلاص المعجز، من خلال فأرة تضع كل يوم ليرتين ذهبيتين، وفي هذا الخلاص العجيب تناقض مر وسخرية كبيرتين، فليرتا الذهب وسيلتان للعيش، وذواتا قيمة مادية كبيرة، والذهب معدن نفيس، وذو قيمة عليا، ولكن هذا كله لا يتأتى من سبل شريفة وأساليب راقية، إنما يتأتى من خلال فأرة، وهي ليست بذات قيمة على الإطلاق، بل هي متدنية جداً، وفي هذا التناقض دليل قهر ومعاناة مرتين.
 ولعل الأشد ألماً حقد الفقراء بعضهم على بعضهم الآخر وحسدهم وكيدهم، على نحو ما كان من الأختين لأختهما الصغرى، وغياب الوعي وروح المحبة والفهم والتعاون، وتصورهم أن الخلاص لا يكون إلا في قصور الأمراء والسلاطين، وأن جهد العمال المنتجين ضائع لا يسمن ولا يغني من جوع.
 والعجيب المتمثل في الفأرة طريف ومبتكر، وفيه ظرافة ولطف، فعلى الرغم من حطة الفأرة وقلة شأنها، فهي ظريفة، وليست في قبح الجرذ مثلاً وشدة أذاه، ولكن تبقى المفارقة كبيرة، بين الإنسان الذي لا يستطيع أن يرزق بشيء، في حين تضع الفأرة كل يوم ليرتين ذهبيتين، هنا يظهر بؤس الإنسان وشدة فقره.

     عجيب المارد

 ومن العجيب ما هو عجيبُ ماردٍ يخدم الإنسان ويساعده، أو ينصح له ويساعده، ومن ذلك حكاية تروي أن أحد الحطابين قصد الغابة كعادته كل يوم، وبينما هو يضرب جذع الشجرة طارت الفأس من يده وسقطت في النهر، فخلع ثيابه، ونزل في إثرها يبحث عنها، ولكنه لم يجدها، فخرج مغتمَاً حزيناً، ثم أخذ يدعو ربه أن يساعده على استرجاع فأسه، فخرج من النهر مارد يحمل فأساً ذهبية، وسأله: “أهذه فأسك؟”، فأجاب الحطاب: “لا”، فغاص المارد في النهر، ثم خرج، وهو يحمل فأساً فضية، وسأله: “أهذه فأسك؟”، فأجاب: “لا”، وغاص المارد ثالثة، ثم خرج، وهو يحمل فأساً حديدية، ثم سأله: “أهذه فأسك؟”، فأجاب الحطاب: “نعم، هذه هي فأسي”، فأعطاه المارد الفؤوس الثلاث، جزاء صدقه وأمانته، وفرح الحطاب، وتابع جده في جمع الحطب، ثم حمل كومة ومضى بها، وقد شدّ الفؤوس الثلاث بالحبل إلى طرف الكومة، وفي الطريق صادفه تاجر غني، فلما رأى التماع الفأس الذهبية والفأس الفضية، ذهل، وسأله كيف حصل عليهما فروى الصياد ما حدث،‏ وأسرع التاجر الغني، يحمل فأساً حديدية، ورمى بها في النهر، وأخذ يدعو ربه، فخرج له المارد من النهر، وهو يحمل فأساً حديدية، ثم سأله: “أهذه فأسك؟”، فأجابه التاجر الغني” لا ” ليست هي، فأسي من ذهب، ولا أريد عنها بدلاً “، فردّ عليه المارد: ” لا ضرورة للكذب أيها الرجل، فهذه هي فأسك، وعلى كل حال فأنت لست بحاجة إليها، والأفضل أن ترجع الفأس إلى قاع النهر، وأن تعود أنت خائباً، جزاء طمعك وكذبك”، ورمى المارد الفأس بالنهر، ثم غاب.‏
 والحكاية تمجد صدق الحطاب الفقير وقناعته واعتماده على جده في الكسب، وتدين كذب التاجر وتكشف طمعه ورغبته في الكسب من غير تعب، كما تكشف الحكاية التناقض بين الحطاب ابن الغابة والحياة الطبيعية العفوية المعتمدة على التعب والجد، والتاجر ابن المدينة والحياة المعتمدة على استغلال جهود الآخرين.
 ومن هنا يبدو العجيب في الحكاية تعبيراً عن شقاء أصحاب الحرف والمهن الذين يكدحون ويعملون بزندهم ويمثلهم الحطاب، وإحساسهم بالقهر من التجار الذين يأتيهم رزقهم رغداً من غير تعب ولا مشقة مستغلين جهود الآخرين، وفي هذا العجيب أيضاً تعبير عن حلم أولئك الكادحين في الخلاص من بؤسهم وقهرهم بوساطة قوة خفية تتمثل في المارد الذي يقدم للحطاب فأساً من ذهب وأخرى من فضة. يتمثل العجيب في هذه الحكاية في مارد يخرج من النهر ليكافئ الصادق القنوع، ويعاقب الكاذب الطماع، وهو قوة خيرة طيبة، يحسن ولا يسيء، يساعد ولا يؤذي. ويلاحظ أن المارد العادل المنصف قد خرج من النهر، فكأن العدل والإنصاف يتحقق في النهر، أو في الماء، في حين لا يتحقق على اليابسة، في الأرض، حيث يقنع الحطاب ويرضى ويصدق، وحيث يطمع التاجر ويكذب ويخدع.
 ومن عجيب المارد ما يروى عن صياد عاثر الحظ غالباً ما كان أولاده ينامون جياعاً، وذات صباح لقيه في الطريق إلى البحر رجل يحمل سلة فاكهة، عرض عليه شراءها، فاشتراها على أن يدفع له ثمنها فيما بعد حين يجود عليه البحر بصيد، ثم إنه ألقى شبكته، ولم يطل به الانتظار حتى أحس بها تهتز، فسحبها فإذا هي ثقيلة، فشدها بكل ما أوتي من قوة، وإذا فيها مارد توسل إليه أن يطلقه، فأطلقه، فمنحه المارد صرة ليرات ذهبية، فقدم له الصياد كرماً منه سلة الفاكهة، فعرض عليه المارد أن يأتيه كل يوم بمثل هذه السلة من الفاكهة مقابل صرة من الليرات الذهبية، على ألا يخبر أحداً بالسر، وبسرعة تبدلت حياة الصياد، وتحول من البؤس والشقاء والحرمان والجوع إلى الوفرة والرغد والخير الكثير، وشكت زوجته في الأمر، فأرسلت في إثره ابنتها، فرجعت لتخبرها بأمر المارد، فأخذت الزوجة تخبر جاراتها مباهية مفاخرة، ولما رجع زوجها من البحر عاتبته على كتمانه السر عنها، وقصد في الصباح البحر يحمل إلى المارد سلة الفاكهة، وناداه، ولكن ما من مجيب.
والعجيب هو المارد الذي يمنح الصياد صرة ليرات ذهبية صباح كل يوم مقابل سلة فاكهة، وهذا العجيب هو تعبير عن رغبة الفقير بالخلاص من الفقر وحلمه بالغنى، وهو خلاص لا يتحقق بالكد والعمل إنما يتحقق بقوة خفية هي المارد، وكأن ثمة إحساساً أيضاً بأن الغنى بصورة عامة لا يمكن أن يكون من سبل العمل العادي ولا بد من قوة، ومرجع هذا الإحساس إلى فقر الفقراء وغنى المستغلين والتجار المحتكرين.
 وهذا العجيب نابع من خيال يرى في البحر أسراراً وكنوزاً، وليس بالضرورة أن تكون الحكاية نابعة من بيئة بحرية، بل قد تكون نابعة من بيئة صحراوية جافة قاحلة تتخيل الخلاص في كنوز البحر.
 والحلم الجميل الذي يتحقق في الحكاية بوساطة المارد سرعان ما يتلاشى، لتكون العودة ثانية إلى الواقع، وليتأكد أن الخلاص لا يمكن أن يكون بوساطة المارد، والمرأة تمثل ههنا كل ما هو حقيقي وواقعي وطبيعي، لأنها هي التي تكشف زيف الحلم وبطلان الوهم لتحقق الصحوة، ولذلك تبدو كالمتهمة والمدانة، لأنها كسرت الحلم، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، بل هي التي لها الفضل في خلق الوعي وتحقيق الصحوة،‏
وقد تدل الحكاية ببساطة على أن السعادة محض وهم، وأنها سرعان ما تزول، وكما يقال في المثل: “ذيل السعادة أملس”.‏

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان