ثقافة شعبية

أحياء بغداد ومقاهيها الشعبية منبع الأدب والثقافة

الدكتور أحمد زياد محبك

 

الحلقة الخامسة والاخيرة 

 

ألا أبلغا ذبيـان عني رسالـة

وما زالت الأمثال في الناس سائرة

وتروي الحكاية القديمة أن راعياً التقى حية، فتعاهدا على مثل ما تعاهد عليه الحطاب والأفعى، ثم مرض الراعي، وحل أخوه محلّه، فطمع في ذهب الأفعى كله، وضربها بفأسه، فأصاب ذيلها، فلدغته فمات، ولما رجع أخوه إلى الأفعى، وسألها أن يعودا إلى ما كانا عليه اعتذرت، مؤكدة أنها لا يمكنها أن تنسى ذيلها وهو لا يمكنه أن ينسى أخاه، فهي تتوجس منه خيفة، وهي في هذه الحكاية العربية القديمة محض أفعى، وليست جنية حسناء، وواضح ما في الحكاية الجديدة من امتداد، وتطوير، وغنى في الخيال، ونمو في العناصر، وتعقيد في البناء والأفكار.‏
وأبرز ما في هذه الحكاية بستان السعود الذي يشبه في شكله وصورته الجنة والنار، ومع الاختلاف في الهدف، فهو يتفق معهما في أن لكل امرئ حظاً في ذلك البستان يشبه حظه في الحياة، على مبدأ الجزاء من جنس العمل، فمن كان سعيداً في الدنيا فحظه سعيد مثله في بستان السعود.‏
 ووصول الحطاب إلى بحر يفصل بينه وبين بستان ” السعود ” يشبه وصول جلجامش إلى البحر الذي يفصل بينه وبين العالم الآخر. ولعل أقوى ما في الحكاية إدانتها التجارة وأساليبها، إذ قد يكسب المرء كل شيء أو قد يخسر كل شيء في صفقة واحدة.‏
 وتظهر في الحكاية سلسلة من العجائب منها تحول الأفعى إلى صبية حسناء، ثم تحول ذيلها إلى شجيرة تثمر الجواهر، وهما ضربان من التحول في الحيوان والنبات، ومن تلك العجائب أيضاً تحول التينة من المرارة إلى الحلاوة، وتحول ابنة الملك من العمى إلى الإبصار، وتحول السمكة من الطفو غير المريح على سطح البحر إلى الغوص السليم في أعماقه، وكذلك تحول الحطاب من الفقر إلى الغنى مرتين اثنتين بفضل نبل أخلاقه وأفعاله الحميدة.
خاتمة
 ومن هنا يلاحظ وجود حكايات فيها عجيب واحد بسيط، وحكايات أخرى فيها سلسلة عجائب مركبة يقود بعضها إلى بعضه الآخر في تركيب منطقي وأخلاقي.
ويظل العجيب في الحكاية الشعبية تعبيراً عن وضع اجتماعي وحالة معيشية، وهو نابع من خيال رغبي، قوامه التعويض عن حرمان، ولا شك أن فيه شفاء من قهر وانعتاقاً من كبت، فهو مريح للنفس، يعيد إليها توازنها، وهي تتلقاه على أنه حقيقة وواقع داخل الحكاية، وأنه وهم وخيال خارجها، ولذلك تسبح النفس وراءه كأنها في حلم.
 وللعجيب وظيفة أخرى وهي إطلاق خيال الأطفال الذين يستمعون إلى الحكاية، وفتح آفاق من المعرفة الفنية والجمالية أمامهم، بالإضافة إلى تمليكهم اللغة، وتعليمهم فن السرد. والحكايات غالباً ما ترويها الجدات العجائز للأحفاد للتسلية والتربية وتزجية الوقت، وإذا دل هذا على شيء فإنه يدل على ما كانت تمتلكه المرأة من موهبة قصصية، وملكة لغوية، وثقافة متناقلة بالحفظ شفاهاً، وعلى ما تمتلكه أيضاً من خيال خصب، وهي التي كانت تعيش في مجتمع أمي مغلق متخلف.
ويستند العجيب في حقيقته إلى قدر غير قليل من الموروث الأسطوري والديني والتاريخي، إذ يمكن البحث عن جذوره الضاربة في تلك الأشكال الثقافية، ويقوم في بعض الحالات على التكرار، ولكنه لا يخلو من إبداع، وفي هذا دلالة على استمرار الإبداع الثقافي للشعوب عبر الرواية شفاهاً والحفظ.
وللعجيب جانبان، الأول طاقة شعبية متوارثة قادرة على عطاء مستمر ومتجدد، والثاني موهبة فردية متميزة قادرة على الحفظ والاستيعاب ومتمكنة من القص والرواية، بل قادرة على الإضافة والتركيب، وفي بعض الحالات قادرة على التوليد والإبداع، ومما لاشك فيه أن الحكاية هي نتاج لتلاحم هذين الجانبين: الفردي المتمثل في الراوي والشعبي المتمثل في الذاكرة والمخزون التاريخي للأمة.
 ولذلك تظل الحكاية الشعبية مفتوحة دائماً على أشكال مختلفة من القراءة المتجددة، لما للحكاية من طابع العموم، فهي نتاج شعبي متغير، لا تخضع لزمان أو مكان، و تتضمن كل ما هو مكتنز في وجدان الشعب من خبرات وتجارب تم التعبير عنها بأشكال مختلفة من الرموز والإشارات العفوية البسيطة، وضمن بنى فنية بسيطة ولكنها ضاربة في أعماق التراث والثقافة القومية والإنسانية، ولذلك فهي قابلة لأشكال مختلفة من التأويل والتفسير.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان