ثقافة شعبية

الشـــعر الشـــعبي مابين لهجته ولغة الأم

علي كريم الطائي

إن الفنون بكل أنواعها وتطورها ورقيها تقاس على إثرها الأمم  ،والشعر الشعبي هو أحد أنواع هذه الفنون بكل أشكاله إن كان نثرا  أو حرا أواكلاسيكيا . إن الفرق بين الشعر والكلام العادي المتداول بين عامة الناس أن الشعر هو الوزن الذي يترنم بموسيقاه ولحنه ويطرق الأسماع دون استئذان بنغماته المتناسقة التي تعتمد على علم العروض وهو عبارة عن مجموعة من الأوزان أو البحور وعددها خمسة عشر والتي وضعها الخليل بن احمد الفراهيدي (718م -789م ) والذي أتمها واستدركها الأخفش بن مسعدة وأصبحت ستة عشر وسمي بـ(التدارك).
 ولكن هذا لايعني أن الشاعر لم يكتب على سليقته قبل ذلك بل أن الشعر عبارة عن موهبة فطرية بالدرجة الأولى .لذلك كتب الشعر منذ زمن البابليين هذا ما اشارت إليه بعض المصادر والكتب التاريخية وحتى في العصر الجاهلي والعصر الإسلامي ظهر العديد من الشعراء ومازالت قصائدهم معلقة بالأذهان كقصائد المعلقات السبعة التي علقت على جدار الكعبة في تلك الحقبة. والغريب أن اغلبهم لايجيدون فن كتابة الحرف وكانوا يعتمدون على لغتهم المتعارف عليها وعلى سليقتهم وباعتمادهم أيضا على مواهبهم وهم بعيدون كل البعد عن عصر الفراهيدي وعروضه.
إن تطور الشعر وظهور أنواع أخرى منه ؛من ناحية الشكل والمضمون كان نتيجة لدخول الثقافات والتراجم من الحضارات الأخرى المجاورة في أواخر حكم الدولة العباسية وظهور المغول على الخريطة العربية وهذا أدى الى انقسام الوطن الأم لعدة أوطان صغيره وخصوصا بعد الغزو الاستعماري في القرن السابع عشر الميلادي ومعاهدات المستعمريين والطامعين .
إن الانقسام الجغرافي في تلك الحقبة التاريخية أدى إلى انقسام  لحن اللغة وظهور ألحان أخرى للغة حسب المنطقة الجغرافية وحسب سيطرة الدول المستعمرة وتأثر المناخ اللغوي بتلك الدول وانعزال البلدان المنقسمة الصغيرة عن الوطن الأم وكل هذا بدوره ادى الى ظهور لحن اللغة وسمي هذا اللحن بـ(اللهجة)وأصبح كل وطن له لهجته الخاصة بل تجاوز الأمر إلى ظهور لهجات داخل البلد الواحد بمرجعية لهجة البلد.وهذا الأمر كان في حينه شيئا مخيفا وذلك خوفا على اندثار اللغة الأصلية وهي لغة العرب ولغة القران وهذا الشيء المخيف لاينهي عملية استمرار اللغة الأصلية وبالتالي أيضا لاينهي عملية استمرار الشعر الفصيح. لان العرب قد حافظوا على لغتهم الأصلية لربما بتواصلهم ولامتداداتهم القبلية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى مهمة هي لوجود القرآن الكريم كمرجعية لغوية وناهيك عن انه مرجعية دينية واجتماعية وفكرية .
لقد ظهر في كل بلد من بلدان العرب أثر وعرف خاص يملك خصوصية بحكم جغرافية المكان، وعندها ظهرت اللهجات ،لذلك تجد كل بلد عربي له خصوصيته ولهجته الخاصة به وبعد ذلك تعرفت الشعوب العربية على لهجات بعضها البعض عن طريق السفر والعمل والسياحة وخصوصا في فترة نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين بظهور الوسائل السمعية والبصرية من الراديو والتلفاز والفضائيات والانترنت .وبظهور هذا الكم من اللهجات ظهر لون آخر من الشعر وسمي بالشعر الشعبي أو الشعر الدارج الذي يعتمد على اللهجة الدارجة أو المحلية لأي بلد من بلدان العرب .
إن الشعر الشعبي العراقي جزء لايتجزأ من الذي قلناه وإن حركة ظهور الشعر الشعبي العراقي مع بدايات القرن الثامن عشر الميلادي ذلك يعني بفترة سيطرة الدولة العثمانية . لكن أكثر الباحثين يؤكدون  أن أهل العراق قد تعاطوا الأنماط الشعرية الشعبية بعد القرن العاشر الهجري أي بالقرن السادس عشر الميلادي ولكن هناك رأي يؤكد أن ولادته كانت في عصر الرشيد العباسي.فقد ظهر شعراء شعبيون يعتمدون على سليقتهم ومواهبهم الخاصه وهم بذلك قريبون من عروض الفراهيدي بالرغم من أنهم لايجيدون القراءة والكتابة ،والامثلة على هؤلاء الشعراء كثيرة وأسماؤهم لاتعد ولاتحصى وقد كتبوا بأنواع كثيرة من ألوان الشعر كالغزل والحماسة والرثاء والهجاء والمدح.

    المدارس الشعرية للشــعر الشــعبي العراقي

الشعر الشعبي العراقي يعتمد على علم العروض للخليل بن احمد الفراهيدي(718م _789م)ويعد أساسا لبيان الجيد منه والرديء.وظهرت أيضا مجموعة من الأوزان الشعرية الجديدة المستنبطة من البحور والأوزان للشعر الفصيح ومن المستغرب أن نقول إن الشعر الشعبي ليس له علاقة لا من قريب أو بعيد بهذه البحور . أصبح الشعر الشعبي العراقي بمتناول المثقفين والأكاديميين والنقاد ذات الاختصاص ظهر واضحا وجليا في أواسط القرن العشرين وماجاء بعده.منذ الخمسينيات والستينيات أصبحت ملامح الشعر الشعبي العراقي واضحة بعد ظهور مجموعة رائعة من شعراء القصيدة الشعبية الذين يحملون رؤى من خلفيات ثقافية متعددة وبالرغم من ان شعراء قبل هذه الفترة كان اغلبهم من شعراء السليقة وان هذه الفترة كانت غنية أيضا بظهور أساليب شعريه ورؤى جديدة في طريقة كتابة القصيدة الشعبية .
لذلك ظهرت مدارس حديثة للشعر الشعبي العراقي ومازال رواد هذه المدارس أحياء يرزقون . ومن الأساليب أوالمدارس التي ظهرت:
أولا:المدرسة الكلاسيكية:

أصحاب هذا الأسلوب في كتابة الشعر الشعبي يتميزون بإطلاق الحكمة والموعظة وهم امتداد جذري لشعراء ماقبل المرحلة الستينية ويحلو للبعض أن يطلق تسمية (الحسجة )والحسجة هي المفردة المرمزة والتي تتشظى إلى عدت احتمالات ومفاهيم هذا مايفسره الشاعر المبدع ورائد هذه المدرسة عريان السيد خلف .
ثانيا: المدرسة الرمزية:

إن الرمز هو أسلوب كأي أسلوب في الشعر مثل الاستعارة أو الجناس أو الكناية .فأصحاب هذا الأسلوب في الكتابة يستخدمون الرمز في القصيدة أي بمعنى شيء بديل عن ماهية الشيء الموصوف للتعبير عن بعض الأسماء أو الأماكن والحوادث التي يريد الشاعر الإفصاح عنها للقارئ وربما يستخدم أسلوب اللغز ، وهناك رمزية مبالغ فيها مثلا أن يجعل للشمس روحا أو للروح وجها، ومن رواد هذه المدرسة الشاعر المبدع مظفر النواب.
ثالثا: المدرسة الصورية:

 وأصحاب هذا الأسلوب لديهم القدرة لرسم صورة شعرية للقارئ أو المتلقي بأبعادها الجمالية ومن رواد هذه المدرسة الشاعر المبدع كاظم اسماعيل كاطع لذلك نجد أحد النقاد يقول انه أي كاظم مبدع القصيدة المصورة ومفرداته موغلة بالألم وتغازل القلب بصدمة كهربائية تقدم أروع التشبيهات والصور والاستعارات الشعرية المفرطة نحتار في بعض الأحيان كيف لنا أن نفتح سحر ورموز الصورة أو بالأحرى كيف لهذا العقل أن يجلب لنا هكذا صورة أو تشبيه. إن كاظم لايكتب الشعر بل يرسم لوحة من الفن التشكيلي ذات الأبعاد والألوان المذهلة .
لذلك نجد اغلب الشعراء يكتبون بهذا الأسلوب فنجدهم متشابهين بعض الشيء في الطرح ومع ذلك قد أرفدوا الواقع الشعري بأروع القصائد وخصوصا بعد ظهور جيل آخر من الشعراء الشباب الذين شكلوا شيئا كبيرا في خريطة الشعر الشعبي العراقي وهم بذلك امتداد طبيعي لجيل العمالقة الذين سبقوهم بالزمن بعد أن أصبح الشعر الشعبي حاجة ملحة لعامة الناس لأنه يخاطب وجدانهم وأحاسيسهم ويطرح جزءا من حياتهم الاجتماعية وبذلك كان الشعراء الشعبيون قريبين ومعروفين من عامة الناس مما حدى بهم أي الشعراء تأسيس الجمعيات والنقابات الشعرية وظهر الكثير من النقاد والكتاب لهذا الأدب الممتع فتوسعت هذه الجمعيات والنقابات وأصبح لهم اتحاد أدبي شعبي ليضم معه كل من كتب عن الأدب الشعبي بصورة عامة من شاعر وكاتب وناقد‘بل تعدى الأمر أكثر من تأسيس محلي إلى تأسيس عربي وبفكرة عراقية من الشاعر المثقف جبار فرحان العكيلي رئيس اتحاد الأدباء الشعبيين والشاعر المخضرم جابر الشكرجي رئيس رابطة شعراء أهل البيت فرع سوريا فطرحت مبادرة لتأسيس اتحاد الأدباء الشعبيين العرب وعقدت الجلسة الأولى بمبادرة وضيافة عراقية . إن أرض العراق موطن وحي الشعر لذلك وأنت تسير في أي شارع من شوارع العراق تسمع الناس يتحدثون وتكتشف بدون أدنى شك أنهم يتكلمون شعرا دون أن يدرسوا علم العروض أو يقرؤوا كتابا في الشعر الشعبي، فمثلا صديق يتحدث مع صديقه : لاتتأخر…لاتتأخر..بس تتأخرماتلكاني ويرد عليه الآخر : يموعد متكلي شبيك …دومك… دومك مستعجل أو أحد البائعة المتجولين ينادي : من يشتري …من يشتري والذي يبتسم حين يسمع ما يقال يدرك أنه قد قرأ أوزان الشعر الشعبي الجميل.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان