ثقافة شعبية

الربــــــــابة … موروث شعبي شارف على الاندثار

    الحقيقة – متابعة

الربابة آلة موسيقية قديمة ذات وترٍ واحد عرفها العربُ الرحل في الجزيرةالعربية والريف والبادية منذ عصورٍ بعيدة، وانتشرت بشكلٍ كبير حتى تكاد تجدها في كل بيتٍ وخيمة.
يعود أصل الربابة إلى بلاد وادي الرافدين “العراق”ومن اشهر من عزف عليها وأطربنا، هم: الفنان ملا ضيف الجبوري والفنان جبار عكار والفنان أحمد عزيز الجبوري والفنانة ساجدة عبيد، والفنانة حمزية ياسين. وهناك من قال: إنها نجدية الأصل والمنشأ، في حين ذهب آخرون إلى أنها هندية!
بينما يعود تاريخ الربابة الى زمن قديم وعريق سبق تأسيس بغداد ثم تبوأت مركزها المرموق في الوسط الفني البغدادي، فهي آلة شرقية (يافعة) تتجدد مع كل عصر وفق مفرداته وتحافظ على الماضي من خلال استعراض ذكرياته، كما ورد في الكثير من المؤلفات القديمة؛ لكبار العلماء، أمثال الجاحظ في مجموعة الرسائل وابن خلدون، والشرح المفصل لها في كتاب الفارابي الموسيقي الكبير.كما عثر على صورة لآلة الربابة على قطعة حرير وجدت في إيران، وتوجد الآن في متحف بوسطن للفنون.
انتقلت الربابة من العرب إلى أوروبا عبر طريق الأندلس؛ثم أخذها الإسبان،وأطلقوا عليها اسم “راب” و”رابل” و”رابيكين”، ومن إسبانيا دخلت إلى فرنسا وسميت “رابلا”، ثم إلى إيطاليا وسميت “أريبكو” ، وانتقلت إلى مناطق أوروبا الغربية الأخرى. كما مرت إلى أوروبا من خلال طريق بيزنطة في أثناء صراعهم مع الدولة السلجوقية.
تختلف الربابة من بلد عربي إلى آخر، فهي (الجوزة) في العراق وبلاد الشام ومصر، و(الربابة) في دول الخليج العربية، و(الأرنبة) في المغرب العربي، و(أم كيكي) في السودان، والربابة الطوارقية المعروفة بـ(إيمزاد)في ليبيا التي لا يعزفها سوى الرجال.كما عرفت الربابة في بلدان مجاورة مثل تركيا وإيران والهند، وتأخذ شكلاً يختلف عما هو عليه في البلدان العربية، حيث شكلها يشبه نصف كرة (مثل الطاسة).هناك قصص كثيرة لاكتشاف الربابة تداولتها الأجيال، إلا أن اقرب هذه القصص للواقعية كانت قصة ذلك الرجل وزوجته، وقد نشب خلاف بينهما: اتهم الزوج زوجته اتهاماً باطلاً وأدرك فيما بعد أنه مخطئ، ما حدا بالزوجة النزوح لأهلها رافضة محاولات زوجها في استرجاعها حتى بلغ بها أن اشترطت للعودة شرطاً تمثل في أنها قالت: (لن أعود حتى يتكلم العود)، وهي تقصد عود الشجر أوالخشب..احتار الرجل في أمرها، فذهب لعجوز حكيمة من أهل قبيلته، وقص عليها ماحدث،فقالت له: الأمر بسيط… وطلبت منه إحضار عود من (عوشزه) نبات صحراوي يسميه البعض (عوسج)، فأحضر ماطلبت، وقالت له: اخرق رأس هذا العود من الأطراف. وفعل ذلك… وطلبت منه أيضا إحضار جلد (حوار)، والحوار ابن الناقة،فأحضره ثم قامت بحشو هذا الجلد بأوراق نبتة (العرفج)، وأخيراً طلبت منه إحضار سبيباً من ذيل الخيل، وقالت: اجعل هذا السبيب في العود الذي خرقته،ثم قالت له: اعزف الآن. فعزف، فإذا بالعود يتكلم أي: (يصدر لحناً)، ثم أسرع به إلى أهل زوجته، وطلب مقابلتها؛ ليقول لها:إنه فعل المستحيل؛ لإرضائها، وها هو ذا يلبي شرطها في العودة، ويجعل العود يتكلم، ثم أنشد بعدها هذا البيت:
يابنت لا يعجبك صوت الربابة
تراه جلد حويّرٍ فوق عيدان
الربابة: هي تاريخ وتراث وأصالة وهوية، يلجأ إليها البدوي في ساعات راحته وهدوئه؛ليبثّ إليها همومَه وشجونه، ويعبر عما يجيش في نفسه إن لم يجد الكلمات التي يعبّر بها، فيجد راحته وهو يمزج شكواه بأنين نفسه، مما يجعل النفوس الأخرى: ترقّ له، وتهب لنجدته، وتساعده في محنته، وتفكّ أزمته وكربته.من أجل ذلك يُعَلِّقها البدويّ في واسط بيته، وفي المكان الذي يجلس فيه في ساعات راحته، أو مع ضيوفه وأصدقائه.وقد غنّى البدويّ على ربابته ألحاناً مختلفة منها:السويحلي، العتابة، والنايل، والبستة، والابوذية، والهجيني،والمسحوب، والصخري، والسامري، والرِّزْعَة، والدلعونا، والشروقي، والأشعار الشعبية، ولكنها اتسمت في معظمها بطابع الحزن والأسى، وظلّت تدور في فلك الحزن والانطوائية، ذلك الطابع الذي فرضته الصحراء ببيئتها وظروفها وبصمتها وسكونها.
وقد صنع البدويّ آلته من الأدوات البسيطة المتوفرة لديه، فصنع هيكلها وقوسها من خشب الأشجار التي يصادفها في طريقه، وصنع طارتها من جلد الماعز أو الغزال، أما وترها ووتر قوسها فهو من سبيبِ فرسه، واللبان الذي يمسحه على وترها فيجعله خشناً عند احتكاكه بوتر القوس أخذه من دموع أشجار السرو أو الصنوبر.
عرف العرب سبعة أشكال من الرباب، هي: المربع – المدور– القارب – الكمثرى – النصف كروي – الطنبوري – الصندوق المكشوف.
أجزاء الربابة بشكل أكثر تفصيلاً هي:
هيكل الربابة: هو مربعٌ خشبي يميل إلى الاستطالة، مثقوب من ضلعيه القصيرين، حتى يسمح بمرور عصا طويلة هي عنق الربابة التي يركّب عليها الوتر الوحيد.
طارة الربابة: هي الجلد المشدود على جانبي الربابة من الأعلى والأسفل، ويُشدّ هذا الجلد بشكل جيّد بواسطة خيوط متينة تُشبك في أطرافه وتشدّ الجلد الأعلى إلى الجلد الأسفل، وقد تستعمل دبابيس خاصة أو رَزَّات تغرز في الجلد وخشب الطارة وتؤدي نفس الغرض.
السَّبِيب: هو شعر ذيل الحصان أو الفرس الذي يصنع منه وتر الربابة ووتر القوس كذلك، وتؤخذ مجموعة من هذا الشعر وتجمع إلى بعضها وتُربط من أطرافها بخيط متين ليتكوّن منها وتر القوس أو الربابة.
الكَرَّاب: هو المشدّ الذي يكون في الطرف البعيد من عصا الربابة، ووظيفته شدّ وتر السبيب إلى الدرجة المطلوبة، والفعل كَرَب يكْرُبُ بمعنى شَدَّ يشدّ.
القوس: يصنع في الغالب من عود الرمان أو الخيزران لمرونة هذه العيدان وطراوتها، وقد يصنع من عيدان أخرى تؤدي نفس الغرض. وللقوس اسمٌ آخر هو السَّوَّاق، لمروره جيئةً وذهاباً على وتر الربابة.
الغزال: هي قطعة رفيعة من الخشب توضع تحت الطرف السفلي لوتر الربابة، فترفعه عن الطارة حتى لا يلامسها عند العزف والضغط عليه.
المخدّة: هي قطعة قماش صغيرة توضع تحت نهاية الوتر عند آخر ساق الربابة، وظيفتها كوظيفة الغزال في الجهة المقابلة.
وتعد العلاقة بين الشعر الشعبي والربابة تكاملية فلا يمكن أن تكون هناك ربابة وعزف دون شعر،فلقد تغزل الكثير من الشعراء بالربابة، فالشاعر سلطان الهاجري كتب قصيدة عن الربابة مطلعها:
يالحـون الـعـود والا يامجـاريـر الربـابـه…….اختلـف معنـى القصيـد وضيّـع الفنّـان فنّـه
في حين أنشد شاعر آخر:
ياربـابـه عـلـى المـسـحـوب غـنــي …. من قصيدي بكى قوس الربابه
أوشكت الربابة أن تشيخ وتهرم، وأوشك الجيل الحالي على نسيانها، ولعل قول الشاعر خير دليل على ذلك:
نشري الحضارة بالذهب والدنانير…… يـــــا ويــلــنــا لا ســـكـــر الـــغـــرب بـــابـــه
كـــم واحـــد ٍ بـيـبـدل الـبـنــز بـبـعـيـر ….ويـبــدل الديـسـكـو بــصــوت الـربـابــه
ومن الجدير بالذكر أن إمارة الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة تقيم سنوياً ملتقى الفجيرة للربابة يشارك فيه فنانون وباحثون مهتمون بالربابة من جميع أنحاء العالم، كما تتصدر الربابة مهرجان الجنادرية الذي يقام سنوياً في السعودية، ومن الملاحظ في الآونة الاخيرة أن فن العزف على الربابة بدأ في الغياب، والانغلاق نظراً للضغوط الاجتماعية، وكذلك قلة مستمعيها؛ لأنه لايتعاطى العزف على الربابة سوى قلة قليلة من الناس، بسبب صرف معظم الشباب أنظارهم تجاهها،إلى جانب تجاهل جمعيات الثقافة والفنون لها،علماً بأن هناك كثيراً ممن يقدر هذه الآلة وما يرافقها من فن يطالب بوجوب الحفاظ عليها من الاندثار…!
ونحن نقول: إن الموسيقا لغة قادرة على تحريك الانفعالات، وإثارة الشجن، لا سيما في حياة الشعوب البدائية التي ليس لها حظ وافر من التعليم والثقافة، ما يجعلها تعتمد على الغناء وما يرافقه من أدوات بدائية قام بنفسه باختراعها، دون الاعتماد على الشعوب الأخرى، أو الصناعات، أو التكنولوجيا، من ذلك ما ذكرناه عن (الربابة) التي تعد فخر الصناعة الإنسانية البسيطة، فقد صنعها الإنسان لحاجته إليها، إذ اهتدى إليها من خلال تمازج الأفكار مع توافر المواد المصنوعة منها، في البيئة المحيطة به، ولم يكن بحاجة إلى استيراد أوتصدير، ولا بحث عن قطعة هنا وهناك… وقد وجد فيها الأنيس في الحل والترحال، والصاحب في الوحدة في أثناء الرعي، فهي ليست آلة طرب فحسب تطرب الناس في الأعراس والحفلات والمناسبات على اختلاف أنواعها، بل هي آلة تطرب الحيوان الذي يعتمد عليها البدوي في حياته، وقد تكون هي لغة الاتصال أو وسيلة التواصل بينه وبين إبله وماشيته… لاسيما إذا رافقها ذاك الحداء أو الشعر على اختلاف أنواعه وموضوعاته.كما أنها لغة التواصل حين يتردد صداها في تلك الصحاري بين القبائل التي تدرك مفهوم لحنها على اختلافه، فتهب للنجدة أو المشاركة في الفرح أو الترح…
ولا شك أن الربابة تمتاز عن غيرها من الآلات الموسيقية الأخرى بأنها قائمة على وتر واحد، يستطيع أن يبث الإنسانُ أحزانَه وآلامه وأفراحه من خلال ذلك الوتر اليتيم، الذي يتسع للحن البطيء والسريع، والصوت الهادئ والصاخب، والوزن القصير والطويل. ولا بد من الإشارة إلى أنها آلة دقيقة رقيقة حساسة، لا يحسن استخدامها والتعامل معها إلا من له رغبة فيها، وتجربة في الضرب على وترها، وخبرة بالعزف عليها.
بقي أن أقول: مهما قال عنها الفنانون، وكتب عنها المتخصصون، فهي آلة من صنع الإنسان… فما بالنا إذا كانت من تراثنا البدوي العربي…؟ أليس من حقنا أن نقول: إنه لا بد من حماية هذا التراث الإنساني العربي، ورصد تاريخه، وتتبع صناعته، والمحافظة على ما تبقى من آلاته القديمة؟ كما أنه لا بد من إقامة المعارض السنوية لها ولفنها، ولعازفيها، وإقامة المنافسات والمسابقات بين ملحنيها، وشعرائها، وتخصيص الجوائز اللائقة بهذا التراث العظيم.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان