رامي احمد كاظم الغالبي
الحلقة الثانية
المطلب الثاني
الفكر الأصيل والمعتدل في طرح الرثاء الحسيني الهادف
إن الفكر الأصيل في طرح القضية الحسينية والذي نعني به استعراض عبق هذه الثورة المباركة بالشكل الذي يتناسب وثقلها الحقيقي طرحها بالشكل الذي يتناسب وتضحيات الإمام الحسين ((عليه السلام)), هذه الثورة الكبرى التي لولاها لما كان هنالك آذان يرفع بل لما كان هنالك دين إسلامي بالأساس بسبب الاستهتار الذي قام به يزيد بن معاوية ((عليه وعلى أبيه وجده لعائن الله)
وقد بدأ الفكر الأصيل والمعتدل في طرح القضية الحسينية لدى شعراء الإمامية منذ حياة الإمام السجاد والباقر والصادق ((عليهم السلام)), إلا انه كان دوراً محدوداً وقد يكون متباعداً في المسار التأريخي, إلا انه في مرحلة الإمامين الكاظم والرضا ((عليهما السلام)) توسع هذا الدور وأخذ يبرز على المستوى الاجتماعي, بحيث أصبح يشكل ظاهرة بارزة في مدرسة أهل البيت ((عليهم السلام))”1″.
وكان من مظاهر هذا التوسع, والتطور في مجالس العزاء الحسيني, بروز طبقة من الشعراء الكبار, وتداول أشعارهم بين الناس, ومنهم ((عقبة بن عمرو السهمي)) , صاحب أول شعر رثى به الحسين ((عليه السلام )): جاء في كتاب أمالي الطوسي “2” عن المفيد ، عن محمد بن عمران ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عبد الله ابن أبي سعد ، عن مسعود بن عمرو ، عن إبراهيم بن داحة قال :
1. سيدنا الأستاذ العلامة حسين بركة الشامي الغالبي, مقدمة في الإصلاح والتجديد للشعائر الحسينية,. مطبعة دار الإسلام ـ بغداد, ط1 2009م, ص72.
2. الأمالي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي تحقيق قسم الدراسات الإسلامية دار البعثة الجمهورية الإسلامية إيران , ط1 1414 هــ , ص236.
أول شعر رثى به الحسين بن علي ((عليه السلام)) قول عقبة بن عمرو السهمي من بني سهم بن عوف بن غالب :
إذا العين فـّرت في الحيـاة وأنتم تخافـون في الدُّنيـا فأظلم نـورها
مررت على قبـر الحسين بكربلا ففاض عليه من دمـوعي غزيرها
فما زلت أرثيـه وأبكي لشـجوه ويسـعـد عيني دمعهــا وزفيرها
وبكيت من بعد الحسين عصـائب أطافت بــه من جانبيها قبــورها
سـلام على أهل القبور بكربـلا وقـل لها منّي سـلام يـــزورها
سـلام بآصال العـشي وبالضُّحى سـلام بآصال العـشي وبالضُّحى
ولا بـرح الوفّـاد زوار قبــره يفـوح عليـهم مسـكها وعبيـرها
شعر الكميت في رثاء الحسين ((عليه السلام )): “1”
أضحكني الدهر و أبكاني والدهر ذو صرف و ألوان
لتسعة بالطف قد غودروا صاروا جميعا رهن أكفان
و ستة لا يتجازى بهم بنو عقيل خير فرسان
ثم علي الخير مولاهم ذكرهم هيج أحزاني
شعر دعبل في رثاء الإمام الحسين ((عليه السلام))”2″.
هلا بكيت على الحسين و أهله .. هلا بكيت لمن بكاه محمد فلقد بكته في السماء ملائك ..زهر كرام راكعون و سجد
لم يحفظوا حق النبي محمد ..إذ جرعوه حرارة ما تبرد قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه .. فالثكل من بعد الحسين مبدد
هذا حسين بالسيوف مبضع ..وملطخ بدمائه مستشهد
عار بلا ثوب صريع في الثرى ..بين الحوافر و السنابك يقصد
كيف القرار وفي السبايا زينب .. تدعو بفرط حرارة يا أحمد
يا جد إن الكلب يشرب آمنا ريا .. و نحن عن الفرات نطرد
1. محمد بن علي بن شهرآشوب السروي المازندراني , مناقب آل أبي طالب – مؤسسة انتشارات علامة – الجمهورية الاسلامية ايران, ط1 – 1421هـ. ص 116 .
2. المصدر نفسه
وأمثال هذه القصائد التي كانت تعتبر وسيلة الإعلام المدوية في مختلف البلدان الإسلامية آنذاك, حيث كان الشاعر يعد بمثابة أداة إعلامية رصينة لها تأثيرها الواضح في نشر أية قضية كانت بسبب ميلان العرب إلى الشعر والشعراء هذا من جهة ومن جهة أخرى كانت اغلب القضايا تطرح وتستقطب الناس بالشعر خاصة إذا كانت كلمات الشاعر وإلقائه للشعر جيدا.
ومن الدلالات الكبرى على أهمية الشعراء في إرساء القضية الحسينية في نفوس الناس ما روي من أن إمامنا الباقر ((عليه السلام)) كان يقيم المأتم الحسيني في بيتهِ, ويستقبل الشعراء, لندب الإمام الحسين ((عليه السلام)) “1”
كما انه كان يستأجر النوادب من أمواله الخاصة يندبن الإمام الحسين ((عليه السلام)) في موسم الحج في منى”2″.
وان هذا الدور لم يقتصر على الإمام الباقر ((عليه السلام)) فقد كانت القضية الحسينية موضع اهتمام جميع أئمة أهل البيت ((عليهم السلام)).
أبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي, مروج الذهب ومعادن الجوهر, تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر- بيروت, ط5. 1393هـ-1973م. ج3 , ص242.
العلامة المحقق عبد الرزاق المقرَّم, مقتل الحسين, الناشر دار الكتاب الإسلام, بيروت, ط 5 , 1399هـ 1979م , ص106.
ومنهم الإمام الصادق ((عليه السلام)) الذي أتيحت له فرصة كبرى لتهيئة الأجواء المناسبة لنشر القضية الحسينية بسبب ما حصل من ضعف النظام الأموي وانهياره ومجيء الدولة العباسية مما فسح المجال في الحركة والعطاء والتخطيط على كل المستويات ومنها إحياء الشعائر الحسينية وتعميقها في الوجدان الشعبي معتمدا بشكل كبير على الشعراء والنعاة حتى بدأت الأحاديث في ((حث الشعراء على رثاء الإمام الحسين (عليه السلام) )) “1”.
إضافة إلى دعوة النعاة إلى رثاء الإمام الحسين ((عليه السلام)) في البيوت, وحثهم على الرثاء بصوت حزين, بحيث يثير شجون السامعين “2”.
وبهذا أصبح المأتم الحسيني في زمن الإمام الصادق ((عليه السلام)) مدرسة تربوية وأخلاقية وإيمانية تلهم المجتمع الإسلامي والشيعي على وجه الخصوص معطيات الثورة وقيمها الرسالية التي استشهد من اجلها الإمام الحسين ((عليه السلام)) والثلة الطاهرة من أهل بيته وأصحابه البررة, حتى تحول المأتم إلى مؤسسة ثقافية, في الجسم الإسلامي, وضرورة شيعية تقام في كل زمان, توحد المشاعر, وتحصن الأمة من التشويه والتحريف والاختراق, وتعمق الارتباط الروحي بمدرسة أهل البيت ((عليهم السلام))”3″
1. الشيخ محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي , ثواب الأعمال وعقاب الأعمال – مؤسسة الأعلمي – بيروت – لبنان 1983 م. ص109.
2. المصدر نفسه.
قلت إن هذه التوجيهات من ناحية الصوت الحزين والمراد منه من إثارة شجون السامعين, بدأنا نفقده بسبب وجود بعض الرواديد المراهقين ممن لم يفقهوا القضية الحسينية, وسيأتي تفصيله في ما بعد ببابٍ مفصلٍ لهذه النماذج النشاز على الساحة الشيعية .
3. السيد الأستاذ حسين بركة الشامي الغالبي, مقدمة في الإصلاح والتجديد للشعائر الحسينية, مصدر سابق, ص76.
أما دور الشعراء المعاصرين في استخدام الرثاء الحسيني كفكر أصيل للتذكير بالمصاب الأليم الذي حلّ بالإمام الحسين ((عليه السلام)) ويصبح لسان حال معبر عن مبادئ الثورة الحسينية وإيصال رسالتها إلى العالم أجمع, فاللشاعر والرادود الحسيني دور اعلامي متميز في الوقت الحاضر، حيث يعمل على إيصال الرسالة الحسينية الخالدة والتذكير بمصاب ومظلومية أهل بيت الرسول ((صلوات الله عليهم))، فضلاً عن توعية المجتمع حيال القضايا المعاصرة والوقوف بوجه الهجمات الشرسة التي تريد تحطيم الركائز الإسلامية.
ومن جهة أخرى يبرز دورهم عندما تصدح حناجرهم بحبّ محمد وآله ولا تنجرف أفكارهم نحو التحزبية أو الطائفية وإنما القضية الحسينية هي وحدها محورهم ورسالتهم في الحياة”.
بحيث أصبح الهدف الأهم للشعراء والرواديد أصحاب الفكر الأصيل في إقامة الشعائر والمأتم الحسيني بناءً على توجيهات أئمة أهل البيت ((عليهم السلام)), بالتركيز على تقويم مسيرة القافية الأدبية والتوجيه المناسب لمبادئ القضية الحسينية.
لذلك أصبحت قصة الإمام الحسين ((عليه السلام)) ومقتله ومحنته, وغربته, والمصائب التي حلت به وبأهل بيته وأصحابه يوم عاشوراء, ومسيرة الأسرى, والسبايا من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام, تجسد أبعاداً أدبية, وثقافية, وتأريخية, بحيث أصبحت هذه الملحمة التأريخية حديثاً متجدداً لا يغيب عن الذاكرة, وتراجيديا حزينة تحفز الجراح بالنزف وتعيد المأساة على مر الأيام.









