رامي احمد كاظم الغالبي
الحلقة الثالثة والاخيرة
المطلب الثالث
الفكر الدخيل والمتطرف في استغلال القضية الحسينية
إن التطور والحداثة العالمية التي غزت جل بقاع الأرض بجميع أنواعها وما يستوعبه العالم من تطور, أصبحت هذه التطورات محط إعجاب الناس, ومن جملة الأمور التي تطورت في حياتنا اليومية مسألة الإنشاد في إحياء المجالس الحسينية وشعائرها.
ففي الأزمنة المنصرمة أي سبعينيات القرن الماضي وما قبلها كان الرادود الحسيني يرقى المنبر بعد أن ينتهي الخطيب من مجلسه.
ويقرأ الرادود بصوته الشجي والمحزن ما كتب من الكلمات على شكل قصيدة إما شعبية أو فصيحة بشكل مباشر يستعرض فيها مصيبة الإمام الحسين ((عليه السلام)) وما جرى عليه وعلى أهل بيته من الماسي والقتل وبطبيعة الحال هناك من كان في شبابه يحضر هذه المجالس حتى إن تقدم بالسن فهو يرغب إلى هذا اللون من المجالس والقصائد.
واليوم فقد تطور الحال من حيث الحداثة المعمول بها في زماننا الحاضر في كل شيء’ ففي هذا المجال كان للمنشد والرادود الحسيني دور مميز بهذه الحداثة حيث بدأ يدخل على القصيدة المؤثرات الصوتية أو الأمور الدرامية كالتمثيل وغيرها من الأمور المستحدثة علما أن القصيدة قرأت في الزمان السابق ولكنها بغير شكل عن هذا اليوم.
وهذا التغيير والتطور أثار الجدل بالساحة من قبل المستمع القديم والمستمع الحديث أي الجيل القديم سبعينيات القرن الماضي وما قبله وجيل القرن الجديد شباب اليوم.
وبدأت هذه الإثارة بين القبول والرفض من حيث وجهات نظر كل حسب نظريته للساحة اليوم.
وإننا نرى أن اغلب القصائد التي يقسمها رواديد شباب أشبه بالغناء بل أقوى من الغناء لكن بالطور الحسيني فهي لا تخلو من الآلات الموسيقية الخاصة بالحفلات, مما يشوه القضية الحسينية بشدة وللقارئ والمتتبع إن يرى بعينه مقاطع الفيديو الخاصة بهذه القصائد الحسينية والرواديد الذين يؤدونها أبشع أداء, ويقولون نصرة للإمام الحسين ((عليه السلام))!!!.
وهنا فلنطرح هذا التساؤل المهم إلى هؤلاء الشباب الذين يدعون حبهم للحسين ((عليه السلام)) من هو الحسين ؟؟ , ولم نقم له مآتم العزاء؟؟
الجواب أن الحسين ((عليه السلام)) هو خنقة العبرة لدى أهل البيت ((عليهم السلام)), هو الحبيب الذي لم يترك بالهم ولا وجدانهم بل ولم يخلو حديثٍ لآل البيت ((عليهم السلام)) إلا وقد ذكروا الإمام الحسين ((عليه السلام)) وأوصوا بالتذكير بفاجعته إضافة إلى دعوة النعاة إلى رثاء الإمام الحسين ((عليه السلام)) في البيوت, وحثهم على الرثاء بصوت حزين, بحيث يثير شجون السامعين “1”.
ولو ركزنا على الواقع المرير الذي يمر به النعي والإنشاد الحسيني وما يفعله زمرة فاسدة الإيمان بالقضية الحسينية من إدخال مؤثرات صوتية صاخبة تشابه بل تماثل المؤثرات الموجودة في المقاطع الغنائية إضافة إلى التمثيل المهين للقضية الحسينية , من أداء حركات راقصة واضحة وضوح الشمس لا تغطى بغربال هؤلاء الشراذمة.
وفي بعض القصائد يتطور الموضوع إلى الأسوء من أن تنقل كلمات والحان أغنية معروفة على الصعيد الإجتماعي العراقي وتركب عليها الكلمات الخاصة بالمناسبة الحسينية وتبث هذه القصيدة بالعنوان الذي يختار لها أحياءاً لمصاب أبا الأحرار ؟!!!
1. كما بينا في المطلب الثاني من هذا البحث من أحاديث أهل البيت ((عليهم السلام)) , ثواب الأعمال ص109.
هل هذا ما أراده آل البيت منا في رثاء الإمام الحسين بصوتٍ حزينٍ وهل ما يفعل اليوم من استهتار بدماء الإمام الحسين بنشر هكذا قصائد سيثير شجون السامعين ؟؟
وقد روي عن الإمام جعفر الصادق ((عليه السلام)) ((إياكم أن تعملوا عملا نُعَيَّر به، فإن ولد السوء يُعَيِّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً، ولا تكونوا عليه شيناً، صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير، فأنتم أولى به منهم))
وبالتأكيد أن قراءة مظلومية آل البيت على شكل قصائد أو نعي بهذه الطريقة الغنائية ستأتي بالتعيير للمذهب برمته وستأتي استهزاءات جمة بحق القضية الحسينية, من اجل من ؟؟ وفي سبيل من؟؟.
إننا إذا تمعنا في أسباب انتشار هذه القصائد بهذا الطور الغنائي الصارخ نجد أن القائمين على نشرها بهذه الصورة المهينة لا يتعدون هذه الأسباب.
1. عدم التقوى والورع في السلوك الخاص والعام وعدم الإيمان بالقضية الحسينية بالشكل الأساس واعتبار القضية الحسينية مكسب للمال والشهرة لا غير.
2. عدم المعرفة بنهجية القراءة الحسينية الهادفة والمعبرة عن التضحيات التي قدمها الإمام الحسين ((عليه السلام)).
3. عدم المعايشة اليومية للحياة الإجتماعية العامة ولقضايا المسلمين ومشاكلهم لأن ما يهم الإسلام يهم المسلمين وبطبيعة الحال ما يهمنا كمسلمين شيعة أن تكون قضية إمامنا الحسين منشورة على أرقى وسائل الإعلام سواء عن طريق النعي أو الخطابة أو الشعر حسب الضوابط وهذا ما لم يوجد لدى هؤلاء الجهلة.
4. دخول أفكار وهابية إلى بعض العقول السذج لتنمية مثل هكذا أفكار وقصائد بهذه الطريقة المشينة لتحقيق ما يسعى له هذا النهج السافل من اجل تشويه الشعائر الحسينية وضرب المذهب من الداخل وهذا الأمر متوقع إلى درجة الجزم.
حقيقة الأمر أن خطباء المنبر الحسيني الأجلاء والكثير الكثير من الرواديد الحسينيين والشعراء أصحاب الفكر الأصيل في نصرة الشعائر ونشر القضية الحسينية حذروا من هؤلاء المراهقين, ونصحوا من عدم الانجرار وراء قصائدهم بهذه الهيكلية الفاشلة, إلا انك قد أسمعت من ناديت حياً, ولكن لا حياة لمن تنادي.
1. وسائل الشيعة.ج16, ص319, ح3.
والآن ما نحتاجه للجم هؤلاء الشراذمة أن يكون للمراجع الأعلام (أدامهم الله لنا ذخراً)), فتاوى واضحة الدلالة لمنع استمرار هؤلاء في مشروعهم الغنائي الفاشل والذي يستهدف مقام إمامنا الشهيد أبا الأحرار ((عليه السلام)).
وأن يكون للإدعاء العام المحترم دور قانوني لتحجيم هذه الظاهرة ومنعها بالطرق القانونية.
نعم إن الدستور العراقي النافذ قد ضمن إقامة الشعائر الحسينية بحرية في المادة والمادة (43) أولاً ((أتباع كل دين أو مذهب أحرار في .. (أ) ممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية))…
لكن الضابط في معرفة الشعائر الحسينية لا يحددها المداحون أو النعاة أو الخطباء بل يحددها أهل العلم من المراجع الأعلام (( سدد الله خطاهم أجمعين)).
علماً أن قانون العقوبات العراقي النافذ رقم (111) لسنة (1969) المعدل وفي باب الجرائم الاجتماعية, الفصل الثاني تحت عنوان (الجرائم التي تمس الشعور الديني), وخصصت لها المادة (372) من قانون العقوبات العراق والتي نصت ( يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بغرامة لا تزيد على ثلثمائة دينار:ـ
1. من اعتدى بإحدى طرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها.
2. من تعمد التشويش على إقامة شعائر طائفة دينية أو على حفل أو اجتماع ديني أو تعمد منع أو تعطيل إقامة شيء من ذلك.
3. من خرب أو اتلف أو شوه أو دنس بناء معد لإقامة شعائر طائفة دينية أو رمز أو شيئا آخر له حرمة دينية.
4. من طبع أو نشر كتابا مقدسا عند طائفة دينية أذا حرف نصه عمدا تحريفا بغير معناه أو إذا استخف بحكم من إحكامه أو شيء من تعاليمه.
5. من أهان علنا رمزا أو شخصا هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية.
6. من قلد علنا نسكا أو حفلا دينيا بقصد السخرية منه.
والنص القانوني المتقدم يدل وبوضوح على وجود النص العقابي لهذه الحالات علما أن هذا القانون وجد قبل انتشار هذه الظاهر السلبية في العراق.
لذا رجاؤنا إلى السيد المدعي العام المحترم أن يطبق القانون وان يوقف هذه التصرفات المسيئة إلى إمامنا الحسين ((عليه السلام)) بقوة وحزم.
فالمسؤولية هنا عامة وتساهمية بين المرجعية الدينية والقضاء العراقي والخطباء الأصلاء والمثقفين وأصحاب القلم الحر, لنصرة الإمام الحسين ((عليه السلام)).
الخاتمة
في ختام هذا الموضوع نبين أن الرثاء الحسيني إعلامٌ مدويٌ له ثقله الشديد في ساحة الشعائر الحسينية واستطاع هذا الإعلام أن يترجم قضية الثورة الحسينية المباركة أفضل ترجمان, إلا أن هنالك أيدي خبيثة تريد أن تشوه هذا الإعلام بلا مبالاة, بحجة إقامة الشعائر الحسينية والحسين منهم بريء كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب, ولابد من نصرة الشعائر الحسينية, بإيقاف هؤلاء الشرذمة عن هذه الأفعال المشينة والمهينة للمذهب برمته.
وقبل أن يجف ريق القلم أقول
أن الحمد لله رب العالمين









