احمد الاسدي
تعد مناطق الأهوار في جنوب العراق من أهم المناطق السياحية الخلابة وهي ثروة اقتصادية وتاريخها يمتد إلى خمسة ألاف سنة؛ ولكن ما شهدته الحقبة التاريخية المنصرمة والناتجة عن السياسات الرعناء للنظام السابق جعل الحياة في هذا المفصل الحيوي من جسد العراق في شلل تام… فقد قتل الحياة فيها وشرد أبناءها وجعلهم يبحثون عن مصدر يحصلون من خلاله على لقمة عيشهم.
ولجنوب العراق صفة مميزة تختلف عن باقي الأماكن العراقية الأخرى ألا وهي وجود المضيف المشيد من القصب ولهذا المبنى خصوصية لم يدركها إلا من عاش الاهوار والقرى المحاذية لها ، وسمي بالمضيف لأنه يعتبر ((دار الضيافة)) ويبعد عن البيت مسافة غير بعيدة وتقام فيه مراسيم الأفراح والأحزان ، وكذلك مجالس عزاء الامام الحسين (ع) ويكون كبيرا جدا وتشييده بطرق فنية وهندسية جذابة وأحيانا يجتمع أبناء العشيرة لبناء المضيف ولهذا المكان او المبنى سمة خاصة من التكريم وغالبا ما يحلفون به ماذا يقولون (وحق هذا المضيف وبخته) ويجلس ابناء العشيرة والضيوف كل مساء لتداول امور حياتهم ، واحيانا يقصون القصص والحكايات وتطول (السالفة ) احيانا الى ثلاث ساعات ، والجميع يستمعون الى الاحداث واحدهم يقص الحادثة سواء كانت تاريخية او معاصرة وبين فترة واخرى يسقي احدهم الجميع بالقهوة والشاي وتطول هذه الجلسات الى ساعات متأخرة من الليل ثم ينهضون مبكرا لكي يواصلون حياتهم .
والمضيف يعتبر رمز الاهوار الشامخ ويوضع احيانا في مقدمته قناديل او فوانيس كدليل للقاصد والتائه والذي يأتيه ويدخل فيه له حالة الامان حتى ولو كان قاتلا دخيلا لانه يعتبر دخيلا ولن يسأله صاحب المضيف الا بعد ثلاثة ايام ، إنها أخلاق سكان الاهوار توارثوها عن ابائهم وأجدادهم وهذه خصوصية اخرى وبارزة في المجتمع العراقي .
وله خصائص اخرى منها اعتباره محكمة مصغرة تحل فيه المشاكل والقضايا العشائرية وليس حل المشكلة احيانا يكون مطابقا للفقه والشريعة الإسلامية ولكن في العقد التسعيني الأخير ادخل مرجع ديني شيعي هذه المسائل والمشاكل العشائرية في إطار الفقه الإسلامي واصدر كتابا اسماه (الفقه العشائري) والمضيف ليس لديه باب يغلق وإنما بابه مفتوح ومما يدل هذا الشيء على الكرم وهكذا بيت الشعر البدوي وأيضا للمضيف المهابة والرهبة للقاصد والزائر والجلوس فيه يجب أن يكون فيه بصورة مؤدبة ولا يتفوه الإنسان فيه بالكلام البذيء او الكذب لأنه يؤخذ عليه ويسمع فيه الشعر الشعبي بأنواعه والشعر العربي القريض والحر .
وجلسات الشتاء الليلية اكثر جمالا وروعة من جلسات الصيف وكل مضيف يتكون من 9-15 شبة وفي مدينة العمارة تسمى محناية ، وتكون الشبة على شكل حذوة الفرس وتبعد كل شبة عن الأخرى مقدار 2-4 مترات وتعتبر المرتكز الاساسي للمضيف ، ولسكان الاهوار صفة اخرى الاوهي حينما يدعون الى المضيف لايكون ذلك ببطاقات الدعوى او الهاتف كما هي حاليا وانما عن طريق دق القهوة في الهاون التي تحدث رنات تنبيهية الى الجيران فيفهمون بان مضيف فلان فيه ( قهوة ) وهنا ليس المقصود بالقهوة بنها فقط شرب فنجان القهوة فحسب ربما كانت قضية ما يراد حلها او حادثة او مبايعة لعالم الدين او المرجع فالمضائف حسب لغة الاهوار مدارس يتعلم فيها الانسان معنى الخلق والآداب الحسنة وكيفية الحديث وعدم التفوه بالكلام البذيء احترما للجالسين ويكرم شيخ العشيرة او الضيف او الانسان ( الخير ) بالجلوس في صدر الديوان احتراما وإجلالا له وفي الخمسينيات والستينات وفي السبعينيات كانت المضايف عامرة باهلها وضيوفها ولكن في عقود الدكتاتورية والتخلف انتهت هذه الاماكن وفي انتفاضة شعبان – اذار 1991 احرق ابن عم الدكتاتور المدعو (علي حسن المجيد )الملقب ( علي كمياوي ) مضيف كاظم ال ريسان شيخ عشيرة حجام ومضائف ال جويبر وغيرهم لانهم اشتركوا في هذه الانتفاضة والمضيف هو رمز وتراث لسكان الاهوار ومأوى الكرم والموعظة فكل ( سالفة ) تحكي فيه لها رباطها ومعناها انها مدرسة ومعلموها شيوخ الحكمة والمنطق . لقد كان المضيف بوابة للكرم والمعرفة والعلم والادب وبوابة اخرى يقصدها كل من لديه مشكلة ما ويرغب لحل لها بعد ما يقصها امام قضاة العدل والحكمة ويسمى هذا الشيخ بـ ( الفريضة )ويكون حكمه بمثابة الفصل في القضية او المشكلة المراد حلها وقد عجزت بعض المحاكم الحكومية من حل المشاكل العشائرية والشخصية وذلك لصعوبة حلها الا ان هذه القضايا تحل في المضيف ويذهب الطرفان راضيين في حل ، وهذا الشيء يدل على ان الحياة الاجتماعية في الاهوار بنيت على اساس قوانين ثابتة لايجوز مخافتها والتهاون معها اما الشخص الذي يرتكب جريمة فإن للقبائل والعشائر العراقية قانونا سائدا عندهم الا وهو( السودة بوجه راعيها) وهنا المقصود من وراء هذا القانون بان الجريمة المرتكبة يتحمل اوزارها الشخص الجاني ولا يشاركونه في دفع الدية او المساعدة ، عكس صاحب المجني عليه فانهم يقفون معه باموالهم وارواحهم ، وتوجد لابناء الاهوار عادات وتقاليد يجب الوقوف عندها الا وهي قانون التكافل الاجتماعي وهذا الامر يتجسد في مراسيم الافراح والاحزان والتي تقام عادة في المضيف ويقوم الشخص او المساهم في هذه المراسيم بدفع مبلغ مالي مجرود وهذا المبلغ يسجل في دفتر كبير خاص لهذا الامر ، وفي مراسيم الاحزان أو الفاتحة تأتي قوافل القبائل والعشائر والبيوت المجاورة على شكل مجاميع وقبل الوصول الى بيت المتوفى يبدؤون بالاهازيج والهوسات وهذا الشيء يسمى ب ( العراضة) وهو بمثابة التكريم والاحتفاء والتخليد للمتوفى الراحل ، واحياناً تقديراً لعائلته وعشيرته ، وجميع هذه المراسيم يكون موقعها المضيف ، لذا فان أفراح وأحزان اهل الاهوار جمعت بين الأصالة والتراث والحضارة المعاصرة ، وجميع هذه التقاليد لم تخرج عن إطارها العقائدي والديني ، وانما هي عادات اعتاد عليها هؤلاء السكان منذ القدم وربما تبدو لغير القاطنين لهذه المنطقة .لقد كان المضيف ذا هيكل جمالي وطراز خاص ويستمد شموخه من القصب والحضارة المتأصلة في جذور ذلك القصب ، والمتجول في الاهوار في تلك السنين يرى الابنية الغريبة في شكلها وبنائها وتذهل القادمين ويتباها أبناء الاهوار في حجم المضيف وسعته ويقولون بأن مضيف فلان طول(15) شبة ، وهذا الطول يعني مدى سعة الكرم وكثرة الضيوف التي لا يسعها المكان أحياناً وعندما يفتخر أبناء الجزيرة العربية بحاتم الطائي فإن اغلب أبناء الرافدين هم حاتم الطائي وعندما تقام في المضيف مراسيم الافراح والاحزان فترى الجميع يقفون مضيفين واحياناً يفتخر الانسان أن يكون هو المضيف ويا حسرة على تلك السنين والايام التي كانت جميلة بحياتها ومضائفها وكرمها أناسها، وتوجد عند سكان اهل الاهوار عادات جميلة ولها تاريخها الحضاري مثلاً دق القهوة وحمل دلة القهوة لهما أسلوبها الخاص بهما فتحمل الدلة بالكف اليسرى وبالكف اليمنى تحمل الفناجين وعادة ما يكون الساقي ذا خبرة بذلك وطالما أحدثت هذه العادات والاعراف مشاكل نتيجة الغفلة والنسيان من حامل القهوة فأما ينسى شيئا من سنن هذه الاعراف او لا يجيد فن السقاية ويكون الساقي متفناً بسقي الضيوف منتبهاً في ذلك وعما يسقي أحدهم بفنجان القهوة والضيف يكتفي بذلك فإن الاخير يهز فنجان القهوة فيفهم الساقي بأنه لا يريد أكثر من ذلك وهذه الطريقة يمتاز بها كافة مناطق الجنوب العراقي والمضايف عند عرب الاهوار ، مدارس يتعلم فيها الصغار الاخلاق وكرم وأداب الكبار حتى قيل ( ان المجالس مدارس).









