عدنان الفضلي
قبل أيام كنت في زيارة لمدينتي الأم (الناصرية)، وقد راق لي أن أقوم بجولة فيها بصحبة أحد أصدقائي، فقصدت أولاً الأسواق القديمة مثل (القيصرية) و(صفاة سيد سعد) و(سوق هرج) و(شارع الجمهورية) وهناك فوجئت بتبدل كبير في تلك الأسواق ولاقتني وجوه كثيرة لا أعرفها ولم يسبق لي رؤيتها، حيث اني أعرف أغلب الذين كانوا يمتلكون المحلات الموجودة في هذه الأسواق ، لكني لم أجد منهم الا القليل جداً ، وكنت أسال صديقي عنهم ، وكلما سألته عن اسم قال لي لقد باع فلان محله واشتراه فلان ، وعندما أسأله عن هذا المشتري يقول انه من القضاء الفلاني او الناحية الفلانية او القرية الفلانية ، والمشكلة ان الناصرية كمركز للمدينة محصورة جداً ومساحتها صغيرة ، فلو حصرناها تحديداً فهي تقع بين بستانين اختفى احدهما ، وهما (بستان حجي زامل) و (بستان حجي عبود) وكذلك هي محصورة بين نهر الفرات وسوق الهرج، وبالتالي فان أهلها يعرفون بعضهم بشكل واضح وأي غريب يمكن تشخيصه.
المهم في الموضوع اني وبعد ان اكملت جولتي فوجئت بأن كثيرا من معالم المدينة قد اختفت، وان هناك بناء مختلفا وعشوائيا قد غطى المدينة ، بعد ان سكنها كثير من الغرباء أو (الحواسم)، واقصد الذين اغتنوا بعد سقوط الصنم البعثي، وهؤلاء تحديداً صاروا تقريباً هم المتحكمون باقتصاد المدينة، بل وحتى سياستها، فبعد اطلاعي على أسماء المسؤولين ومدراء الدوائر في الناصرية، لم أتعرف الا على إسمين أو ثلاثة، أما البقية فلم أسمع باسمائهم على الاطلاق، وعندما سألت عنهم أخبرني أصدقائي ان الأحزاب الدينية قد جلبتهم وأعطتهم هذه المناصب، والحال ذاته مع أعضاء مجلس المحافظة، حيث انهم فازوا بالانتخابات نتيجة دعم تلك الأحزاب التي لم تراهن على أبناء المدينة، بل راهنت على أبناء القرى والأرياف، مستغلة مراحل التغييب القسري التي عاشها أبناء تلك المدن في زمن النظام البعثي والزمن الحالي.
بعد أن صدمت بهذا الواقع الذي تعيشه مدينتي، وحين سمعت أحاديث أخرى من أصدقائي الآخرين فيها العجب العجاب، وجدت نفسي ومن دون ان أدري أردد الأغنية العراقية الأصيلة والتي يقول مطلعها: (مالي صحت يمه أحاه.. جاوين أهلنه)، ففي عقلي الباطن كانت الأسئلة تتناهشني بحثاً عن أبناء مدينتي الأصلاء، الذين غابوا عن المشهد العام لهذه المدينة المجنونة بالشعر والغناء والثقافة والعلوم، واستبدلوا بأناس ليسوا من صلبها، ولا يعرفون أسرارها التي جعلت منها مدينة يحسدها على وعي أبنائها جميع أبناء المدن العراقية الأخرى قبل ان يطالها ما طالها اليوم.





